إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 30 يوليه 2017 - 7 ذو القعدة 1438هـ

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (10) بعض أحكام عقد الأمان (1)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سبق ذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني)، وهو دليل على صحة أمان المسلم ولو كان عاصيًا أو فاسقًا، ولو كان عبدًا، أو امرأةً، أو صَبِيًّا مميزًا -على الراجح-.

وهو يدل على أنه لو أتتْ طائفة مِن الكفار إلى بلاد الإسلام -ولو بدعوةٍ مِن بعض الشركات الخاصة -أو الأفراد- للسياحة في بلاد المسلمين- كان ذلك عقد أمانٍ لهم.

قال ابن قدامة -رحمه الله- في المُقْنِع: "(باب الأمان): يصح أمان المسلم المُكَلَّف؛ ذكرًا كان أو أنثى، حُرًّا كان أو عبدًا، مُطلَقًا أو أسيرًا، وفي أمان الصبي المميز روايتان".

قال صاحب الشرح الكبير على متن المقنع: "وبهذا قال الثوري، والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، وابن القاسم، وأكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر -رضي الله عنه-".

وقال: "وروى فضيل بن يزيد الرقاشي، قال: جهز عمر بن الخطاب جيشًا، فكنتُ فيه، فحضرنا موضعًا، فرأينا أنا نستفتحها اليوم، وجعلنا نقبل ونروح، وبقي عبدٌ منا، فَرَاطَنَهم وراطَنُوه، فكَتَب لهم الأمان في صحيفة، وشدها على سهم، ورمى بها إليهم، فأخذوها وخرجوا؛ فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال: "العبد المسلم رجل من المسلمين، ذمته ذمتهم" رواه سعيد بن منصور، ولأنه مسلم مُكَلَّف، فصَحَّ أمانُه، كالحُرِّ والمرأة، وما ذكروه مِن التهمة يبطل بما إذا أُذِنَ له في القتال، فإنه يصح أَمَانُه، وبالمرأة".

وقال: "فَصلٌ: ويصح أمان المرأة في قول الجميع. قالت عائشة -رضي الله عنها-: "إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز"، وعن أم هانئ -رضي الله عنها- أنها قالت: "يا رسول الله، قد أجرتُ أحمائي، وأغلقتُ عليهم، وإن ابن أُمِّي أرادَ قَتْلَهم" -تقصد علي بن أبي طالب-، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "قد أَجَرْنا من أَجَرْتِ يا أم هانئ، إنما يجير على المسلمين أدناهم" رواهما سعيد، وأجارت زينب بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا العاص بن الربيع، فأمضاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (رواه البيهقي)".

وقال: "ويصح أمانُ الأسير إذا عَقَدَه غير مُكْرَه؛ لدخوله في عموم الخبر، ولأنه مسلم مُكَلَّفٌ مختار، أشبه غير الأسير، وكذا يصح أمان الأجير والتاجر في دار الحرب، وبهذا قال الشافعي،  وقال الثوري: لا يصح أمان أحد منهم. ولنا عموم الحديث، والقياس.

فأما الصبي المميز، ففيه روايتان: إحداهما: لا يصح أمانُه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه غير مكلف، ولا يلزمه بقوله حكم، فلا يلزم غيره، كالمجنون. والثانية: يصح أمانُه، وهو قول مالك. قال أبو بكر: يصح أمانه رواية واحدة. وحمل رواية المنع على غير المميز، واحتج بعموم الحديث، ولأنه مسلم عاقل فصح أمانه، كالبالغ، بخلاف المجنون فإنه لا قول له أصلاً" (انتهى كلام صاحب الشرح الكبير على متن المقنع).

نقول: وهذه الأحكام وإن كانت أكثر الدول لا تعطيها لآحاد مواطنيها -بل لا تسمح بدخول البلاد إلا بإذنٍ مِن الحكومة مباشرة- فإن الشرع أتى بها توسيعًا لدائرة عصمة الدماء والأموال، ولأن في الاختلاط بيْن المسلمين والكفار مِن المصالح للمسلمين، بتمكنهم مِن الدعوة إلى الله -عز وجل-، كما سبق قول الزهري في فوائد "الحديبية".

قال الموفق ابن قدامة في المُقْنِع: "ويصح أمان الإمام لجميع المشركين، وأمان الأمير لمن جعل بإزائه، وأمان أحد الرعية للواحد، والعشرة، والقافلة".

قال في الشرح الكبير على متن المقنع: "ويصح أمان الإمام لجميع الكفار وآحادهم؛ لأن ولايته عامة على المسلمين، ويصح أمان الأمير لمن جعل بإزائه مِن الكفار، فأما في حق غيرهم فهو كآحاد المسلمين؛ لأن ولايته على قتال أولئك دون غيرهم، ويصح أمان أحد الرعية للواحد، والعشرة، والقافلة الصغيرة، والحصن الصغير؛ لأن عمر -رضي الله عنه- أجاز أمان العبد لأهل الحصن الذي ذكرنا حديثه، ولا يصح أمانه لأهل بلدة، ورستاق، وجمع كثير؛ لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام.

ويصح أمان الإمام للأسير بعد الاستيلاء عليه، لأن عمر -رضي الله عنه- أَمَّنَ الهُرْمُزَان وهو أسير. رواه سعيد؛ ولأن الأمان دون المَنِّ عليه، وقد جاز المَنُّ عليه، فأما أحد الرعية فليس له ذلك، وهو مذهب الشافعي، وذكر أبو الخطاب أنه يصح أمانه؛ لأن زينب بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجارت زوجها أبا العاص بعد أسره، فأمضاه النبي -صلى الله عليه وسلم- (أي أمانَها)، وحكي هذا عن الأوزاعي. ولنا أن أمر الأسير مفوض إلى الإمام، فلم يجز الافتيات عليه بما يمنعه ذلك، كقَتْلِه، وحديث زينب في أمانها إنما صح بإجازة النبي -صلى الله عليه وسلم-" (انتهى).

نقول: "الظاهر أن حديث زينب -رضي الله عنها- يدل على صحة أمان أحد الرعية للأسير".

قال ابن قدامة في المُقْنِع: "ومَن قال لكافر أنت آمن، أو لا بأس عليك، أو أَجَرْتُك، أو قِف، أو ألقِ سلاحَك، أو "مترس" فقد أَمَّنَه". (ومترس: معناه لا تخف، بالفارسية).

قال في الشرح الكبير على متن المقنع -في شرح هذا الكلام-: "قد ذكرنا مَن يصح أمانه، وقد ذكر ها هنا صفة الأمان، والذي وَرَدَ به الشرع، لفظتان: أَجَرْتُك، وأَمَّنْتُك. قال الله -تعالى-: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ) (التوبة:6)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ، وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وقال: (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ) (رواه مسلم)، وفي معنى ذلك قوله: لا تَخَف، لا تذهل، لا تَخْشَ، لا خوف عليك، لا بأس عليك.

وقد رُوِي عن عمر أنه قال: "إذا قلتم لا بأس، أو لا تذهل، أو مترس فقد أمنتموهم، فإن الله -تعالى- يعلم الألسنة"، وروي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال للهرمزان: تكلم ولا بأس عليك. فلما تَكَلَّم أَمَر عُمَر بقَتْلِه، فقال أنس بن مالك: ليس لك إلى ذلك سبيل؛ قد أَمَّنْتَه. قال عمر: كلا. قال الزبير: إنك قد قلت تكلم ولا بأس عليك. فدَرَأَ عنه عمر القتل. رواه سعيد وغيره، ولا نعلم في ذلك كله خلافًا.

وأما إن قال له: قف، أو قم، أو ألقِ سلاحك: فقال أصحابنا: هو أمان أيضًا، لأن الكافر يعتقد هذا أمانًا، فأشبه قوله أَمَّنْتُك. وقال الأوزاعي: إن ادَّعَى الكافرُ أنه أمانٌ، وقال إنما وقفتُ لذلك فهو آمن، وإن لم يَدَّعِ ذلك فلا يُقْبَل. قال شيخنا -يقصد ابن قدامة في المغني-: ويحتمل أن هذا ليس بأمان؛ لأن لفظه لا يشعر به، وهو يستعمل للإرهاب والتخويف، فأشبه قوله لأقتلنك، لكن يرجع إلى القائل، فإن قال نويت به الأمان فهو أمان، وإن قال لم أُرِدْ أمانَه نظرنا في الكافر، فإن قال اعتقدته أمانًا؛ رد إلى مأمنه ولم يَجُز قتْله، وإن لم يعتقده أمانًا فليس بأمان، كما لو أشار إليهم بما اعتقدوه أمانًا".

وقال: "فَصلٌ: فإن أشار المسلم إليهم بما اعتقدوه أمانًا، وقال: أردتُ به الأمان؛ فهو أمان، وإن قال: لم أُرِد به الأمان، فالقول قوله؛ لأنه أعلم بنيته؛ فإن خرج الكفار مِن حصنهم بناءً على أن هذه الإشارة أمان لم يَجُز قتلهم، ويردون إلى مأمنهم، فقد قال عُمَر -رضي الله عنه-: "والله لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشركٍ فنزل بأمانه فقتله، لقتلته به" رواه سعيد". (قلتُ: هذا لا يثبت عن عمر -رضي الله عنه-). 

وقال: "وإن مات المسلم -أي المسلم الذي أشار إليهم، ويحتاج إلى السؤال عن نيته- أو غاب، فإنهم يردون إلى مأمنهم، وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر. فإن قيل: فكيف صححتم الأمان بالإشارة مع القدرة على النطق، بخلاف البيع والطلاق والعتق؟ قلنا: تغليبًا لحقن الدم، كما حقن دم مَن له شبهة كتاب، تغليبًا لحقن دمه" (انتهى).

وهنا تنبيه على هذه النقطة الهامة، وهي: أن أهل العلم يبنون هذا الباب -وغيره- على تغليب حقن دماء الناس عمومًا -ولو كانوا كفارًا-؛ لأن الشرع يُغَلِّبُ ذلك؛ فهذه القاعدة العظيمة خلاف ما يجري مِن كثير مِن الاتجاهات المنسوبة إلى العمل الإسلامي ممن تُغَلـِّب سفكَ دماء الناس -المسلمين وغير المسلمين- بمُجَرَّد الشبهة والاحتمال! نسأل الله العافية.

قال في الشرح الكبير: "فصلٌ: ومَن طَلَب الأمان ليسمع كلام الله -تعالى-، ويعرف شرائع الإسلام؛ وَجَب أن يُعطاه، ثم يُرَدّ إلى مأمنه، لا نعلم في هذا خلافًا، وبه قال قتادة، ومكحول، والأوزاعي، والشافعي، وكتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى الناس؛ لقول الله -تعالى-: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة:6)، قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة".

قال في المُقْنِع: "ومن أُعْطِي أمانًا ليفتح حصنًا فَفَتَحَه واشتبه علينا فيهم، حَرُمَ قتلُهم واسترقاقهم".

قال في الشرح الكبير: "إذا حصر المسلمون حصنًا، فناداهم رجل: "أَمِّنُوني أفتح لكم الحصن"؛ جاز أن يعطوه أمانًا، فان زياد بن لبيد لما حُصِر النُّجَيْر، قال الأشعث بن قيس: أعطوني الأمان لعشرة أفتحْ لكم الحصن. ففعلوا.

فإن أُشكِلَ عليهم، وادَّعَى كلُّ واحد مِن الحصن أنه الذي أَمَّنُوه لم يَجُز قتلُ واحدٍ منهم؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم يحتمل صدقه، وقد اشتبه المُباح بالمُحَرَّم فيما لا ضرورة إليه؛ فحَرُم الكُلُّ، كما لو اشتبهت مَيتةٌ بمُذَكَّاة، وأُختُه بأجنبياتٍ، أو زانٍ مُحْصَنٍ بمعصومين، وبهذا قال الشافعي، ولا نعلم فيه خلافًا، ويحرم استرقاقهم أيضًا في أحد الوجهين، وذكر القاضي أن أحمد نَصَّ عليه، وهو مذهب الشافعي لما ذكرنا في تحريم القتل؛ فان استرقاق مَن لا يحل استرقاقه مُحَرَّم: والوجه الثاني: يُقْرَع، فيُخرَج صاحبُ الأمان بالقُرْعَة، ويُستَرَقّ الباقون، قاله أبو بكر؛ لأن الحق لواحدٍ منهم غير معلوم فأُخرِج بالقُرْعَة" (انتهى).

فتَأَمَّل هذه المسألة العظيمة التي تدل على ضرورة التَّحرِّي؛ فإنه يمتنع قتل العشرات مِن أهل حصنٍ؛ لاشتباههم بواحدٍ له أمانٌ لا نَدري عَينَه، فوجب الامتناع عن القتل -عن قتل الجميع- مِن أجل عدم إراقة دم معصوم بالعهد.

قال في الشرح الكبير: "قال أحمد: إذا قال الرجل كُفَّ عني حتى أدُلَّك على كذا، فبعث معه قومًا ليدلَّهم، فامتنع مِن الدلالة: فلهم ضرب عنقه؛ لأن أمانَه بشرط ولم يوجد".

قال في المُقْنِع: "ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن، ويقيمون مدة الهدنة بغير جزية، وعند أبي الخطاب: لا يقيمون سنة إلا بجزيةٍ". (المقصود بمدة الهدنة: عَشْرَ سنين).

قال في الشرح الكبير: "يجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يؤمِّن رُسُلَ المشركين، ولما جاءه رسولا مُسَيلمة، قال: (لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ لأننا لو قتلنا رُسُلَهم لقَتَلوا رُسُلَنا، فتفوت مصلحة المُراسَلَة، ويجوز عقد الأمان لكُلِّ واحدٍ منهما مُطلَقًا ومُقَيَّدًا بمُدَّة -يقصد الأمان للرسول والمستأمن-، سواء كانت -يعني المدة- طويلة أو قصيرة" (انتهى).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.