إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 29 يوليه 2017 - 6 ذو القعدة 1438هـ

الغفلة والتغافل

كتبه/ سعيد السواح

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن أخطر الأدواء والأمراض التي يُصاب بها الإنسان "الغفلة".

والأخطر مِن ذلك: أن يتغافل المصاب؛ فلا يسعى لعلاج ذلك الداء الذي يأخذ الإنسان إلى الهاوية (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) (الأنبياء:1-3)، (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) (الأنبياء:97)، (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (ق:19-22).

الغفلة المهلكة المدمرة:

فعندما يغفل الإنسان عن المهمة التي خُلق مِن أجلها والوظيفة التي كُلف بها، ويعيش هائمًا على وجهه بلا هدف أو غاية؛ فإنما هو يسير في اتجاه الهاوية.

ولذا نقول لك أيها الإنسان: لماذا خلقك ربك؟!

فلا أشك أبدًا انك لن تخطئ في الإجابة التي لا يخطئ فيها الصغير قبْل الكبير، فالكل عند ذلك يردد: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات:56-58).

فإن عدنا إلى كتاب ربنا الذي قال لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بشأنه عندما وقف خطيبًا وسط هذه الحشود التي أتتْ مِن كل حدبٍ وصوبٍ، وذلك في حجة الوداع حيث قال: (وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ) (رواه مسلم).

فإن عدنا لنقلِّب في صفحات مصاحفنا كما كنا نقلبها في رمضان -عندما كنا نجتهد في قراءته، ونجتهد في أن نختمه مرة بعد مرة- سنرى أول نداء نادى الله فيه جميع خلقه، وذلك بترتيب المصحف حيث نادى على المسلم والكافر، والذكر والأنثى، والحر والعبد، والطائع والعاصي، والبر والفاجر: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) (البقرة:21).

وذكر لنا الحيثيات التي بها يستحق أن يُعبد دون سواه فقال: (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:21-22).

فهل ترى أننا قمنا بتحقيق العبادة المطلوبة منا؟!

الأمر يحتاج أولاً أن نقف على ملامح ومعالم العبودية؛ فالله خلقنا لعبادته ولم يتركنا لكي نتصور العبادة المطلوبة كل حسب رؤيته ووجهة نظره، ولكن كما بيَّن لنا وظيفتنا في الحياة، فقد تفضَّل وامتنّ علينا فبيَّن لنا ما هي ملامح ومعالم العبادة المطلوب تحقيقها؟ فأنزل -سبحانه- كتابه على رسوله -صلى الله عليه وسلم- لكي يعلمنا كيف نتعامل مع رسالات الله إلينا: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة:151)، (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (آل عمران:164).

وأنزل الله رسالته على رسوله مِن أجل إخراجنا مِن الظلمات إلى النور المبين، ومِن الضلال إلى الحق المبين، فقال -تعالى-: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا . رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (الطلاق:10-11).

فلنتفق على أن:

- الله -تعالى- خلقنا لعبادته.

- وأنزل لنا رسالته التي بيَّنت ملامح ومعالم العبودية المطلوبة.

- وأرسل لنا رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ لكي يعلمنا كيف نتعامل مع رسالة ربنا -تعالى-.

فإن استقر ذلك في نفوسنا؛ فلتكن البداية قبْل الانطلاق إلى تحقيق ما هو مطلوب أن نقوم بدراسة تلك الرسالة التي أنزل الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

ولقد قرأنا في رسالة ربنا -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة:208)، فلقد أوجب الله -تعالى- المذاكرة للمنهج والاستيعاب حتى ننطلق، ونحن على بصيرةٍ وبيِّنة للمطلوب، ولقد أوصانا الله -تعالى- أن نستقيم على المنهج حتى نلقاه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:102).

كما أوصى بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم-: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:89-99)، وأوصانا جميعًا أن نستمسك بشريعته ودينه حتى نلقاه، وأننا سنسأل عن رسالة ربنا إذا وقفنا بيْن يديه فأوصانا جميعًا: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) (الزخرف:43-44).

ولقد نادى الله علينا ألا نغفل عن يوم الحساب، وهو يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلب سليم، ورؤية الآخرة مِن أكبر العوامل المحرِّكة نحو الاستقامة على المنهج: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ . لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ) (الحشر:18-20).

فالمسلم المستجيب ينظر في دواوينه التي سُطرت عليه، وينظر في زاده الذي ادخر لمثل ذلك اليوم؛ لينظر: هل زاده المُدخر يشفع له عند ربه؟

- هل زاده المُدخر ينجيه مِن النيران؟

- هل زاده المُدخر سيأخذ بيده إلى الجنان؟

فالمسلم المستجيب لا يغفل عن يوم الحساب، ويعلم أنه لا ينفعه إلا عمله الذي قدَّم؛ ولذا كان مستوعبًا لنداء ربه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ . وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ . وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون:9-11)، فلم ينشغل بعطايا ربه عن رضا المُعطي.

ولم ينشغل بنعم ربه عن رضا المُنعم، واجتناب سخطه وغضبه وعذابه، بل علم بالمهمة وسعى جاهدًا لإنقاذ نفسه، بل وإنقاذ أهله مِن النيران متمثلاً في ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم:6).

وعلم أنه لا عذر ينفع إذا وقف بيْن يدي الملك الديان الذي لا تخفى عليه خافية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التحريم:7)، فسعى جاهدًا لطريق ربه المستقيم الموصل إلى رضوان الله وجنته، تائبًا منيبًا، يرجو رحمته ويخاف عذابه؛ لعلمه أنه لا ملجأ ولا منجى مِن الله إلا إليه! (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التحريم:8).

اللهم لكَ أسلمتُ، وبكَ آمنت، وعليكَ توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت؛ فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت.

والحمد لله رب العالمين.