إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 26 يوليه 2017 - 3 ذو القعدة 1438هـ

أشد يوم أتى على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!

كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن عائشة -رضي الله عنها- قالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: (لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ)، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) (متفق عليه).

اللغويات:

(لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ): إيجاز قصر بحذف المفعول به للتهويل والكثرة.

(يَوْمَ الْعَقَبَةِ): عقبة بالطائف، وليست عقبة مني.

(مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي): أي إلى الجهة المواجهة لوجهي مهمومًا.

(فَلَمْ أَسْتَفِقْ): أي لم أفطن لنفسي وحالي.

(بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ): قرن المنازل ميقات أهل نجد على مرحلتين مِن مكة.

(مَلَكُ الْجِبَالِ): أي الملك الموكل بتدبيرها.

(أُطْبِقَ): أضمهما عليهم، فيكونا كطبقٍ واحدٍ جمع ما تحته.

(الْأَخْشَبَيْنِ): الأخشبان هما جبلا أبي قبيس وقعيقعان.

(أَصْلَابِهِمْ): المراد أولادهم.

فوائد الحديث:

1- فيه فضل عائشة -رضي الله عنها-؛ إذ بحسن سؤالها وحرصها على العلم أبلغت الأمة ما لا يعرفه غيرها حتى قيل إنها بلغَّت الأمة ربع أحكام دينها.

2- وفيه أن أشدّ يوم جاء على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو يوم "أُحد" حيث شُج في رأسه ودخلت حلق المغفر في وجهه، وكُسرت رُباعيته، وجُحش جنبه حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف يفلح قوم شجّوا وجه نبيهم (كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟)، فَأَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) (آل عمران:128). (رواه مسلم).

وهذا كله في الله -تعالى-، كما روي عنه -صلي الله عليه وسلم- أنه دعا يوم العقبة هذا متضرعًا لله -تعالى- شاكيًا له ما يجده مِن قومه: "اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي، إِلَى عَدُوٍّ يَتَجَهَّمُنِي أَوْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ تَكُنْ غَضْبَانَ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ أَوْ تُحِلَّ عَلَيَّ سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ" (رواه الطبراني، وضعفه الألباني).

وإذا كان لله فلا يبالي، كما تمثـَّل -صلى الله عليه وسلم- في بعض الغزوات بقول ابن رواحة: "وهل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لاقيت!".

وقد أخذ الصحابة منه ذلك، فهذا خبيب بن عدي -رضي الله عنه- لما صُلب على الخشبة، قال:

وذلك فـي ذات الإلـه وإن يــشـأ                      يبارك على أوصال شلو ممزع!

وهكذا يجب أن نكون: صبر على أمر الله، وفي الله، واستمداد مِن الله -تعالى-.

3- لكن الأشد مِن يوم "أحد" عند النبي –صلي الله عليه وسلم- ما لاقاه يوم عقبة الطائف! وهذا عجب يعجب له المؤمن؛ فقد اشتد أذى المشركين بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بعد موت أبي طالب وخديجة -رضي الله عنها-، فخرج إلى الطائف يرافقه زيد بن حارثة -رضي الله عنه- يطلب الإيواء حتى يبلغ رسالة ربه؛ فجلس إلى أبناء عبد ياليل؛ فردوا عليه أسوأ الرد، وسلطوا سفهائهم على النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى أدموه، فانطلق مهمومًا على وجهه، أي إلى الجهة المقابلة لوجهه لا ينحرف يمينًا ولا شمالاً، ولم يفطن لنفسه وينتبه لحاله إلا عند قرن الثعالب!

وهنا موطن العجب: أن أشد يوم أتي علي النبي -صلى الله عليه وسلم- هو يوم العقبة يوم أن جلس لبني عبد ياليل فقال -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ!)، والذي يريده -صلى الله عليه وسلم- أن يؤوه حتى يبلغ رسالة ربه -تعالى-، فلما لم يجد منهم ما يريد انطلق مهمومًا!

وهذا درس بليغ للأمة أن يكون المهم الأكبر في حياتها، والهم الأوحد هو مرضاة الله -تعالى- وطلب الآخرة.

ومِن ذلك: الدعوة والتبليغ؛ ذلك الفرض الذي فرضه الله على الأمة، وجعلها نائبة عنه -صلى الله عليه وسلم- فيه؛ فقال الله -تعالى-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108)، وقال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران:110)، وقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) (رواه البخاري).

فيكون هذا هو همّ المؤمن الذي يصبح ويمسي عليه؛ الإحسان في عبادة ربه، والإحسان إلى الخلق.

4- ومع هذا الأذى الذي لاقاه مِن قومه -صلى الله عليه وسلم- استمر في طريق دعوته، ولم يبالِ بالصّادين أو المعرضين كما أمره -تعالى-: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ . وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (الذاريات:54-55)، وقال: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر:94)، وقال: (وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (القصص:87). أي امضِ ولا تلتفت.

5- وفيه حبه العظيم -صلى الله عليه وسلم- لربه -تعالى- فقد كان حريصًا على هداية قومه، وكان يحزنه إعراضهم وعدم إيمانهم، كما قال الله -تعالى-: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء:3)، وكذلك ينبغي أن يكون انطلاق الداعي في الدعوة هو تحبيب الناس في الله -تعالى- الذي يحبه، ويرجوه -تعالى- أن يهدي به مَن شاء مِن عباده كما رجا -صلى الله عليه وسلم- أن يخرج الله مِن أصلابهم مَن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، وقد فعل -سبحانه وتعالى-.

6- وفيه حسن خلقه -صلى الله عليه وسلم- كما وصفه ربه -تعالى-: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)؛ فانظر إلى كمال شفقته وعدم انتقامه لنفسه، وحرصه على هداية قومه، جاءه ملك الجبال يقول له: (إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ)، فيقول له -صلى الله عليه وسلم-: (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا!). بأبي هو وأمي -صلى الله عليه وسلم-.

وهذا مِن أخلاق الداعي اللازمة لنجاح دعوته، وإذا علم المدعو منه ذلك؛ كان سببًا عظيمًا للاستجابة.

نسألك اللّهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العُلا أن توفقنا للتخلق بأخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن تستعملنا لإقامة دينك، وأن تثبتنا على ذلك حتى الممات.