إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 25 يوليه 2017 - 2 ذو القعدة 1438هـ

علامات حسن الخاتمة (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:

ترقيق القلوب وشحذ النفوس؛ للاستعداد للقاء الله -تعالى-.

المقدمة:

- الموت وختام الحياة الدنيا حتم لازم، ولا بد حاصل: قال الله -تعالى-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران:185)، وقال: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) (الزمر:30)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَتَانِي جِبْرِيلُ -عليه السلام- فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ, وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ, وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزِّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ) (رواه الطبراني والحاكم، وقال الألباني: صحيح لغيره).

- أوصى الحق -تبارك وتعالى- عباده أن يختموا حياتهم بخاتمةٍ حسنة: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران:102)، وقال: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99).

- الصالحون مشغولون بحسن الخاتمة، وإن أعطوا ما أعطوا مِن حسنات الدنيا: قال الله -تعالى- عن يوسف -عليه السلام-: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:101).

- مِن علامات الفوز أن يموت العبد على عمل صالح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا) (رواه البخاري).

مِن علامات حسن الخاتمة:

(1) نطق كلمة التوحيد عند الاحتضار:

عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

- قصة مؤثرة حول ذلك: (موت أبي زرعة الرازي): عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ الْبَادِيَّ، قَالَ: حَضَرْتُ مَعَ أَبِي حَاتِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الرَّازِيِّ عِنْدَ أَبِي زُرَعَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الرَّازِيِّ، وَهُوَ فِي النَّزْعِ، فَقُلْتُ لِأَبِي حَاتِمٍ: تَعَالَ حَتَّى نُلَقِّنَهُ الشَّهَادَةَ، فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنْ أَبِي زُرْعَةَ أَنْ أُلَقِّنَهُ الشَّهَادَةَ، وَلَكِنْ تَعَالَ حَتَّى نَتَذَاكَرَ الْحَدِيثَ، فَلَعَلَّهُ إِذَا سَمِعَهُ يَقُولُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: فَبَدَأْتُ، فَقُلْتُ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَأُرْتِجَ عَلَيَّ الْحَدِيثُ حَتَّى كَأَنِّي مَا سَمِعْتُهُ وَلَا قَرَأْتُهُ. فَبَدَأَ أَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ مَا قَرَأَهُ وَلَا سَمِعَهُ. فَبَدَأَ أَبُو زُرْعَةَ، وَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي عَرِيبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ مِنَ الدُّنْيَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَخَرَجَتْ رُوحُهُ مَعَ الْهَاءِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُولَ دَخَلَ الْجَنَّةَ" (أخرجه ابن البناء في فضل التهليل وثوابه الجزيل).  

(2) الموت بعرق الجبين:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

قال بعض أهل العلم: قيل: هو لما يعالِج مِن شدة الموت، فقد تبقى عليه بقية مِن ذنوب، فيشدد عليه وقت الموت ليخلص منها. وقيل: هو مِن الحياء، فإنه إذا جاءته البشرى مِن الملائكة مع ما كان قد أقترف مِن الذنوب، حصل له بذلك خجل وحياء مِن الله -تعالى-، فعرق لذلك جبينه. وقيل: يحتمل أن عرق الجبين علامة جعلتْ لموت المؤمن، وإن لم يعقل معناه (التذكرة للقرطبي).

(3) الاستشهاد في سبيل الله:

قال الله -تعالى-: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران:169-170)، وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ) (متفق عليه).

(4) الموت بالأمراض والحوادث القاتلة:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فهوَ شهيدٌ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟) قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -تَعَالَى-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

(5) الموت دفاعًا عن دينه أو نفسه أو عرضه:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: (فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: (قَاتِلْهُ) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: (فَأَنْتَ شَهِيدٌ)، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: (هُوَ فِي النَّارِ) (رواه مسلم).

صور مِن حسن الخاتمة:

اعلم أن المواظبة على طاعة الله، والعمل الصالح مِن أعظم أسباب حُسن الخاتمة:  قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بَعَثَهُ اللهُ عَلَيْهِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وقالوا: "مَن عاش على شيءٍ مات عليه".

- الصورة الأولى: (موت الإمام حماد بن سلمة): قال موسى بن إسماعيل التبوذكي: "لو قلتُ لكم إني ما رأيتُ حماد بن سلمة ضاحكًا لصدقتُ! كان مشغولًا؛ إما أن يحدث أو يقرأ أو يسبح أو يصلي، قد قسَّم النهار على ذلك!" (قل لي بالله عليك: ما تظن أن يموت عليه هذا الرجل؟!)، وقال يونس المؤدب: "مات حماد بن سلمة في الصلاة في المسجد" (قيمة الزمن عند العلماء لأبي غدة ص 27).

- الصورة الثانية: (موت الشيخ عامر السيد عثمان -شيخ المقارئ المصرية-): قال الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في مقاله "تباريح" بالمجلة العربية: "حدثني أخي الشيخ محفوظ الشنقيطي -مدير عام العلاقات بمجمع الملك فهد للمصحف الشريف- عن شيخ القراء بالمجمع، الشيخ عامر السيد عثمان -رحمه الله تعالى- أنه فقد حباله الصوتية في السنوات السبع الأخيرة مِن حياته، وكان يدرس تلاميذَه "القراء" فلا يفصح لهم إلا بشهيقٍ وإيماء، ثم مَرِضَ مَرَضَ الوفاة، وكان طريح السرير الأبيض بالمستشفى، ففوجئ أهل المستشفى بالرجل المريض فاقد الحبال الصوتية يقعد ويدندن بكلام الله بصوتٍ جَهْوري جذَّاب، مدة ثلاثة أيام ختم فيهن القراءةَ مِن سورة الفاتحة إلى سورة الناس، ثم أسلم الرُّوحَ إلى بارئه!" (نقلًا عن سكب العبرات، د.سيد عفاني ج1/ 452).

- الصورة الثالثة: (موت مؤذن): قال الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في نفس المقال: "وكان خال أبي وابن عم جدي عمر بن محمد العقيل -رحمه الله- مؤذنًا بمسجدنا خمسة وثلاثون عامًا، أدركتُ منها ربع قرن، لم يتخلف عن فرضٍ واحد لحرٍّ أو قر، ومات في الرياض وعمره تسعون عامًا، وكان مقعدًا، فلما حضرته الوفاة بعد صحوة الموت وجده ابنه محمد واقفًا بعد أن كان مقعدًا يصدح بجمل الأذان: الله أكبر، الله أكبر" ثم مات!".

فاللهم أحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وتوفنا على عملٍ صالح.

وللحديث بقية حول أسباب حسن الخاتمة في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.