إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 23 يونيو 2017 - 28 رمضان 1438هـ

كن قرآنيًّا

كتبه/ جمال فتح الله عبد الهادي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فشهر الصيام كمثل سوق أُقيم ثم انفض، ربح فيه مَن ربح، وخسر فيه مَن خسر، مع أن الصيام مدرسة نتعلم فيها الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، وقوة الإرادة وجهاد النفس، والامتناع عن أهم رغبات الجسد وحاجاته الضرورية، ونتدرب على السلوك الحسن الذي يبعث على التقوى والإخلاص؛ امتثالاً لأمر الله، وتقربًا إليه، وفي الصوم يتعلم المسلم تهذيب النفس وحفظ الجوارح وتزكية الأخلاق.

كذلك قرأنا "القرآن" في صلاة القيام, وهناك مَن ختم القرآن مراتٍ ومرات, ثم تخرجنا مِن هذه المدرسة التربوية بعدة فوائد عظيمة؛ هذه المدرسة أفرزتْ لنا شخصية فريدة مِن نوعها, هي: "الشخصية القرآنية".

والتي يجب أن نتعرف على سماتها وصفاتها, لكي نحافظ عليها طوال العام، بل طوال العمر حتى نلقى الله -عز وجل-؛ فلقد صنع القرآن مِن العرب -هذه الأمة الجاهلة- خير أمة أخرجت للناس، ولقد أعزهم الله بالقرآن فتحققت لهم السيادة على الدنيا بأسرها؛ ذلك لأنهم تأثروا بالقرآن تأثرًا بالغًا، فنجحوا في إقامة حروفه وحدوده.

ولقد أدَّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحابته الكرام -رضي الله عنهم- بـ"القرآن"؛ فتشكلت به شخصيتهم الإيمانية في أروع صورها، فلا يُعرف عهد ولا تعرف جماعة ظهر القرآن في سلوك أفرادها مثلما ظهر في سلوك وأخلاق صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

مِن سمات الشخصية القرآنية:

- شخصية جادة وعاقلة: ليس معناها العابسة، بل ذات هدف، تعرف للوقت قيمته, تعرف مصلحتها وتسعى في تحقيقها, هدف حياتها أن تعيش للقرآن.

- صاحبة رسالة، يملأ قلبها الأمر العظيم "رسالة الإسلام"، لا تلتفت للصغائر الحقيرة, تغلي بها القدور، وينتصر الإسلام.

- تعتز بالقرآن وتغتني به, فهي والله أغنى مما يسمَّى (بالملياردير) بما تحمل مِن القرآن, فيجب أن تحس بالغنى, يقول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "الإسراء، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، إنها مِن العتاق الأُول، وإنها مِن تلادي". أي أول ما نزل في قلبه، وأول ما حفظ.

معنى عتاق: جمع عتيقة، أي شيء نفيس وغالٍ.

معنى تلادي: أي الميراث، أي كنزي ورأس مالي.

- لا بد للشخصية القرآنية أن تعيش بالأمل، وتقرن الأمل بالعمل؛ لأن أهل القرآن عندهم الوقود، والذخيرة، والغذاء، والعدة والعتاد، فالأمل لهذه الأمة بهم، والمستقبل لهذا الدين بسواعدهم.

- الشخصية القرآنية لا تعرف معنى للكآبة والأمراض النفسية، ولا تحمل عُقدًا ولا خوفًا؛ لأن القرآن, ملأ قلبها رضا وأمنًا، وملأ عليها حياتها ووقتها؛ فأنى لهذه الأمراض أن تدخل روحها، وفي صدرها كلام الله؟!

- الشخصية القرآنية عندها رحابة الصدر وقوة الاحتمال، بأن تكون ذات أفق واسع؛ لأن التغاضي والتغافل مِن أخلاق الأكابر والعظماء والنبلاء.

- تتسم بحُسن المنطق وروعة البيان، وهو مِن مظاهر المروءة، ومِن أعظم الأسباب الداعية لقبول الحق؛ ولهذا قيل: "كلما كان اللسان أبين كان أحمد"، ومدح الله -عز وجل- القرآن الكريم بالبيان والإفصاح، وسماه قرآنًا، وسماه فرقانًا.

- صالحة مصلحة: فهي شخصية لا تعرف الفساد، بل تحارب الفساد بكل أنواعه وأشكاله، بكل ممكن ومستطاع, فهي تحب الله, والله لا يحب الفساد.

- تتصف بصلاح الظاهر والباطن: فبجانب كونها شخصية مؤمنة؛ صلح بالإيمان باطنها، فهي أيضًا تتصف بصلاح الظاهر، فهي شخصية تؤمن بالغيب، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكذلك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، إلى غير ذلك مِن أعمال الخير والصلاح، وهذه الأوصاف جعلتها خير شخصية تتحرك على وجه الأرض، قال الله -عز وجل-: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110).

- ومِن سمات الشخصية القرآنية: الحياء، وهو شعبة مِن الإيمان، وتتسم شخصية المسلم بأعلى أنواع الحياء، وهو الحياء مِن الله -تعالى-، كما تتميز هذه الشخصية بالأمانة, حيث يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).

- كما تتميز الشخصية القرآنية بالتعاون والعفة؛ نظرًا لحرص صاحبها على حفظ دينه، وعرضه، وكرامته وشرفه، والمبادرة بالعمل الصالح والوفاء، والشكر والبر، وقدرته على توثيق العلاقات الإنسانية والاجتماعية، والعفو عند المقدرة، والصبر، وغير ذلك مِن السمات والصفات التي كان يتحلى بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهي تقتدي به، وتحب سنته، وتتمسك بها، وتحافظ عليها وتدعو إليها, وتتحمل الأذى في نشرها.

- ومِن أجمل سمات هذه الشخصية: التصور الصحيح للأحداث المعاصرة, فهي تتعامل مع أي حدث مِن منظور القرآن والسُّنة مع استعمال الوسائل الحديثة؛ لذلك تأخذ القرارات المتوازنة النافعة لنفسها ولغيرها، وللمجتمع مِن حولها, فحينما تقرأ القرآن يجب أن تستنبط منه تصورًا صحيحًا.

ومِن هنا، فالتصور الإسلامي تصور كامل، والشريعة الإسلامية شريعة شاملة، قال الله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة:3).

والحمد لله رب العالمين.