إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 22 يونيو 2017 - 27 رمضان 1438هـ

تمتين نقطة القوة يعظـِّم القوة!

كتبه/ أسامة شحادة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلكل فردٍ أو مجموعة أو هيئة أو دولة نقطة أو نقاط قوة، ونقطة ونقاط ضعف، وجرت العادة التركيز على علاج نقاط الضعف، ولعل مِن أبرز الأمثلة تركيز الأهل على تقوية ضعف أبنائهم في بعض المواد الدراسية أكثر مِن تركيزهم على تقوية تحصيلهم في المواد التي يتميزون فيها، وفي الغالب تبقى المواد الضعيفة ضعيفة أو تتحسن قليلاً، ولكن نقاط القوة تضعف أيضًا أو لا تتحسن!

وفي السيرة النبوية نجد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ركَّز على استثمار مميزات كل صحابي بما يناسبه؛ فوجَّه -صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد للقتال والجهاد، ولقبه بسيف الله المسلول، ولم يوجهه أو يكلفه -صلى الله عليه وسلم- لشيء لا يتميز به، وهذا هو الحال مع أبيّ بن كعب -رضي الله عنه- حين قال عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه أقرأ الأمة لكتاب الله، ولذلك كان بمثابة المرجعية العليا للَجْنة جمع المصحف في زمن الصديق -رضي الله عن الجميع-.

إذن، مراعاة نقاط القوة وتقويتها (تمتينها) في الناس أو المؤسسات تؤدي لتعاظم القوة والإبداع والتقدم؛ وهذا جوهر ولب نظرية (التمتين) التي وضعها سنة 2007 د."نسيم الصمادي" الذي أشرف طيلة عقود على ترجمة وتلخيص آلاف كتب الإدارة في سلسلة (خلاصات) التي أصدرتها شركة شعاع.

وتمتين نقاط القوة يقوم على أربعة أشياء، هي:

- تعيين نقطة القوة، فكثير مِن الناس والهيئات لا تعرف نقطة أو نقاط قوتها وتنشغل بالثانويات، ومَن درس تجارب النهضة والتقدم على صعيد الأفراد والهيئات؛ سيجد أن البداية معرفة نقطة القوة الصحيحة.

- توقع ووضع نتائج مناسبة لاستغلال نقاط القوة بلا إفراطٍ ولا تفريط.

- تحفيز مناسب لنقطة القوة؛ أفرادًا وهيئاتٍ وأهدافًا.

- تطوير وتنمية المواهب والقدرات المناسبة لنقطة تقوية نقطة القوة.

تخيلوا لو ركزت اليابان وألمانيا على بناء قدراتها العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية، وعاندت المجتمع الدولي كما تفعل كوريا الشمالية وإيران اليوم؟! هل كنا سنشاهد التكنولوجيا اليابانية والألمانية؟!

وهل لو سلكت تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية مسارًا ثوريًّا: هل كنا سنرى تركيا تتخلص مِن ديونها، ويقفز اقتصادها، وتتضاعف قوتها السياسية والعسكرية، ويقوى مجتمعها وتزدهر صناعاتها وصادراتها؟!

إذن معرفة نقاط القوة وتمتينها بالتركيز عليها وتقويتها بشكلٍ مناسب وتدريجي كما يفعل رياضيو كمال الأجسام، ورافعو الأثقال، هي سبيل القوة والتقدم للأفراد والهيئات.

ومِن هنا، فإن محاولة كثير مِن الجماعات الإسلامية لتكون جماعة شاملة في كل المجالات هي مِن أسباب ضعف هذه الجماعات وعدم قوتها، بينما لو شجعت هذه الجماعات أعضاءها المتميزين في مجال معين للانطلاق والتخصص والإبداع، وتركت لهم الحرية؛ لرأينا إنجازاتٍ رائعة، وقفزات كبيرة.

ومَن تأمل تاريخ الإسلام في بدايته؛ سيجد أن فتح المجال للمتميزين للتميز في مجالهم جلب الخير الكثير للأمة، وفي قصة ابن عباس -رضي الله عنهما- نموذج لذلك؛ فهو فتى صغير، لكن فُتح له المجال للعلم والفقه الذي دعا له به النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان الفاروق عمر -رضي الله عنه- يجلسه مع كبار الصحابة، ويشاوره بحضورهم حتى أصبح ابن عباس -رضي الله عنهما- حبر الأمة.

فالموفق مَن عرف نقاط قوته، وقد أصبح اليوم هناك برامج إدارية علمية تكشف لك مواضع قوتك وترشدك لأفضل السبل في تعزيزها وتقويتها للأفراد والمؤسسات.

وبما أننا على أعتاب شهر رمضان؛ طبـِّق هذه الرؤية الإدارية على عباداتك فيه: فمَن كان له جلَد على قيام الليل فليحرص على صلاة التراويح خلف إمام يختم مرة أو مرتين في رمضان، ومَن كان يحب القرآن الكريم؛ فليدمن تلاوته ويكثر مِن ختماته بتدبر، ومَن كان مِن أهل الجود؛ فليبالغ في رمضان بتفقد المساكين والفقراء المستورين دون ضجةٍ وجلبة، وهكذا...

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: (نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) (متفق عليه).