إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 09 يونيو 2017 - 14 رمضان 1438هـ

شهر النجاة

كتبه/ محمد سرحان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سأل أبو أمامة -رضي الله عنه- النبي -صلى الله عليه وسلم فقال: مُرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ)، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لِي: (عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

وذلك للأجر والثواب الذي لا يقدِّر قدره إلا الله، ففي الحديث: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمائة ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي) (متفق عليه)، ولأن الصوم مِن الصبر، و(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10).

ويجمع الصيام أنواع الصبر الثلاثة:

ففيه صبر على أداء الطاعة مِن الصيام والقيام، وقراءة القرآن، وغير ذلك مِن العبادات.

وفيه صبر عن المعصية، وتحفظ مما حرِّمه الله.

وفيه صبر على ما يلحق الإنسان مِن الجوع والعطش، وتعب الوقوف في القيام، وغير ذلك مِن التعب.

ولأن حقيقة الصيام ليس الامتناع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات مِن طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ فهذا يستطيعه كل أحد، بل حتى الكافر يمكن أن يمكث الساعات بغير طعام وشراب لأمرٍ مِن أمور الدنيا، وإنما حقيقته: الامتناع عن الذنوب والمعاصي والمحرمات؛ الكبائر والصغائر.

ولذا جعل العلماء الصيام ثلاث درجات:

- صوم العموم: وهو الامتناع عن الطعام والشراب والمفطرات، قال بعض السلف: "أهون الصيام ترك الطعام والشراب".

- صوم الخصوص: وهو الصوم عن الحرام، قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: "إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".

- صوم خصوص الخصوص: وهو تنزيه السر عن الانشغال بغير الرب -سبحانه-، وعلى حسب الدرجة يكون الأجر.

- ولأن الصيام يكسر الشهوة وثورتها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ؛ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (متفق عليه)، وقال: (الصَّوْمُ جُنَّةٌ) (رواه البخاري)، فيتحكم الإنسان في نفسه وهواه، فيوجههما إلى ما يحبه الله ويرضاه، لا تتحكم فيه نفسه وهواه فيسيرانه وفق ما أرادا!

- ولأنه قهر لعدوه الشيطان؛ الذي لا يفتر ولا يتشاغل عنه، ولا يكل ولا يمل مِن إضلاله، وفي الحديث: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ) (متفق عليه)، فتضييق مجاريه بالصوم، وقدرة العبد على محاربة الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء بالصوم.

- ولأنه يزكي النفس ويربيها: قال الله -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس:9-10).

- ولأنه يكسر النفس: فإن الشبع والري، ومباشرة النساء؛ تحمل النفس على الأشر والبطر، والغفلة.

- وهو يخلي القلب للفكر والذكر، فإن تناول هذه الشهوات قد تقسي القلب وتعميه، وتحول بيْن العبد وبيْن الذكر والفكر، وتستدعي الغفلة، وخلو الباطن مِن الطعام والشراب؛ ينور القلب، ويوجب رقته، ويزيل قسوته، ويخليه للذكر والفكر.

وبه يَعرف الغني قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرًا مِن الفقراء مِن فضول الطعام والشراب والنكاح، فإنه بامتناعه مِن ذلك في وقتٍ مخصوص، وحصول المشقة له بذلك؛ يتذكر به مَن مُنع مِن ذلك على الإطلاق؛ فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، وشكر بقية نعم الله عليه، وقد روي عن سليمان -عليه السلام-، وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنهما قالا: "أخاف أن أشبع فأنسى الجائع"، وقال عمر -رضي الله عنه- عام الرمادة حين اشتد عليه الجوع وقرقرت بطنه: "قرقري أو لا تقرقري، والله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين".

- ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن مِن ذلك؛ فيستشعر الفقير والمريض، وذا الحاجة؛ فيتصدق وينفق.

- والجمع بيْن الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا، واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصًا -إن ضم إلى ذلك- قيام الليل؛ فقد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (الصَّوْمُ جُنَّةٌ)، وفي رواية: (الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، وفي حديث معاذ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، يعني أنه يطفئ الخطيئة أيضًا، وقد صرح بذلك في رواية الإمام أحمد، وفي الحديث الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) (متفق عليه)، وكان أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقول: "صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير!".

ويجتمع للمؤمن في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام؛ فمَن جمع بيْن هذين الجهادين، ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما، وُفي أجره بغير حساب، فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ)، قَالَ: (فَيُشَفَّعَانِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

فالصيام يشفع لمَن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها، سواء كان تحريمها يختص بالصيام: كشهوة الطعام والشراب، والنكاح ومقدماتها، أو لا يختص به: كشهوة فضول الكلام المحرم، والنظر المحرم، والسماع المحرم، والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام مِن هذه المحرمات كلها؛ فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب، منعته شهواته فشفعني فيه؛ فهذا لمَن حفظ صيامه، ومنعه مِن شهواته.

- ويخرج العبد مِن رمضان بثمرة التقوى: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)، وهي لا بد أن يحاسِب الإنسان نفسه عليها كل يوم وليلة.

قال طلق بن حبيب -رحمه الله-: "إذا وقعت الفتنة؛ فأطفئوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله، على نورٍ مِن الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نورٍ مِن الله تخاف عقاب الله". وقيل في معناها: "ألا يراك حيث نهاك، وألا يفتقدك حيث أمرك". وقيل: "ترك ما تهوى لما تخشى".

ولا يصل إليها العبد إلا بترك الصغائر والكبائر(1).

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد -صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بعض ما سبق مقتبس مِن رائعة الإمام ابن رجب -رحمه الله-: "لطائف المعارف فيما لمواسم العام مِن الوظائف"، ومختصره القيم للدكتور مصطفى حلمي -حفظه الله-، مِن فصل: "وظائف شهر رمضان".