إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 05 يونيو 2017 - 10 رمضان 1438هـ

رمضان والانطلاقة الكبرى

كتبه/ أحمد حمدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكم صام الناس رمضانات سنين متتالية، وختموا القرآن في رمضان كلَّ عام عدة مراتٍ، وصلوا بالليل في التراويح والتهجد مئات الركعات كل عام، وربما بعضهم يعتكف أو يعتمر كل عام في رمضان، ويتصدق ويخرج زكاة الفطر، ولكنه يعود بعد رمضان كما هو تمامًا لم يتغير شيء في نفسه، ولم يتأثر بالعبادة!

فإذا دخل رمضان وهو لا يغض بصره خرج مِن رمضان كما هو قبْل رمضان، وإذا دخله وهو كسول عن الدعوة وطلب العلم، مضيع لوقته، كثير النوم؛ يخرج مِن رمضان كما هو، وإذا دخل رمضان وهو سريع الغضب؛ ليس عنده حلم أو لا يصلي بالليل، أو لا يحافظ على ورد القرآن والأذكار؛ خرج أيضًا كما هو!

إذن لا بد مِن وقفة مع النفس في رمضان هذه المرة؛ لنبحث: ما السبب في عدم التأثر أو التغير بعد العبادة؟

والجواب:

لأننا نتعامل مع العبادة بالجوارح، والإعداد بالكم لا بالكيف والقلب؛ فالطريق إلى الله يُقطع بالقلب، ولا يقطع بالأقدام، وكما قال بكر بن عبد الله المزني -أحد كبار التابعين-: "ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره!".

فإذا أردتَ أن تخرج مِن رمضان إنسانًا آخر؛ فينبغي أن تعرف الغاية التي شَرع الله العبادة مِن أجلها؛ فلا بد مِن تحقيق هذه الغاية، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنّما بُعِثْتُ لأَتَمّمَ صالِحَ الأَخْلاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، فشرعت العبادة مِن أجل تهذيب النفس وتزكيتها، وتحقيق التقوى.

- قال الله -تعالى- في شأن الصلاة: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ) (العنكبوت:45)، فتجد كثيرًا مِن الناس يصلون ويرتشون وينظرون للحرام، ويصلون في الصف الأول وبناتهم متبرجات، والغناء والموسيقي يعج بها بيته؛ لأنه لم يصلِّ الصلاة النافعة التي تؤتي ثمارها، قال الله -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون:1-2)، فليس للمرء مِن صلاته إلا ما عقل منها ووعى، فالتعامل مع الصلاة بالجوارح والحركات وعدد الركعات، بغير حضور القلب والخشوع لا يؤدي إلي حصول الغاية منها.

- وقال -تعالى- في شأن الزكاة والصدقة: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة:103)، فالغاية تحصل مِن الصدقة بتطهير النفس مِن الشح والبخل، ودنس الأخلاق، وتزكية النفس وزيادة الإيمان.

- وقال الله -تعالى- في شأن الصيام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)، فالغاية هي تحصيل التقوى ومحلها القلب، كما أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى صدره، وقال: (التَّقْوَى هَاهُنَا) وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم)، وهي الخوف مِن الله الذي يمنعه عن فعل المعصية ويدفعه إلى فعل الواجبات والفرائض، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) (متفق عليه).

وقال أحد السلف: "إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن المحارم، ودع عنك أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء"؛ فالصيام هذّب خلقه، ومنعه مِن إنفاذ غضبه.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني). (الرَّفَثِ): الكلام الباطل بغير فائدة، وفحش القول.

وقال الله -تعالى- في شأن الحج: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ) (البقرة:197).

- وفي شأن قراءة القرآن ليس العبرة بكثرة الختمات، ولكن العبرة بتدبر القرآن والعمل به: قال الله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) (ص:29)، وقال -تعالى-: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24).

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لا يكن همُّ أحدكم آخر السورة".