إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 04 يونيو 2017 - 9 رمضان 1438هـ

تأملات إيمانية في سورة الأحزاب

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فغزوة الأحزاب نقطة فارقة، نقطة تحول في تاريخ الإسلام وأهلِه؛ بعد انتهائها قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَنَا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ) (رواه البخاري)، وهذا مِن معجزاته الظاهرة -عليه الصلاة والسلام-.

انكسرت هِمّة المشركين في غزو الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين، وأعقَبَها بعد ذلك أمر الحديبية، وأوشك أن يقع قتالٌ؛ المسلمون فيه هم الذين يحاصِرون المشركين أو هم الذين أتوا إلى مكة، ثم ما كان بعد ذلك مِن "فتح مكة"؛ الفتح الذي أَعَزَّ الله به الدِّين.

ظَلَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر فضل الله -عز وجل-- في "الأحزاب" في دعائه، وفي المجامع الكبرى، يثني على الله -سبحانه وتعالى- به في المشاعر العظيمة.

كان مِن دعائه -عليه الصلاة والسلام-: (اللهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ) (متفق عليه)، وكان مِن دعائه -صلى الله عليه وسلم- على الصفا والمروة: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) (رواه مسلم)

ومَنْ تَأَمَّلَ السورةَ كُلَّها؛ وجد في أَوَّلِها ذكر الغزوة، وما فيها مِن الثناء على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه الأُسْوَة الحسنة، هذه الآية الجامعة: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:21).

والنصف الثاني منها في تهيئة الأمر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبيان منزلته الشريفة، وبيان فضلِه على العالمين، وبيان صلاة الرب -عز وجل- عليه، وصلاة ملائكته في الملأِ الأعلى، وتهيئة الأمر له في بيوته -عليه الصلاة والسلام-، وإرضاء مَن يعاشرهن مِن النساء؛ حتى لا يشغله هذا الأمر.

فهذه السورة تضمنتْ تهيئة الشأن والأمر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ورفعتْ قدره أعظَمَ رَفعٍ.

ومما خاطبه الله به: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) (الأحزاب:45-46).

فالرسول مُبَشِّرٌ للمؤمنين بالجنة، ومُنذِرٌ لمَن عصاه وخالَفَ أمرَه وكَفَر به بالنار، وشَاهِدٌ على العالَم كله بأنه بالوحي الذي أنزله الله -سبحانه وتعالى- عليه يشهد هو وأُمَّتُه على أُمَمِ الأنبياء جميعًا، بشهادة الله -عز وجل- لهم في القرآن، (شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا).  

(وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا): فعَمَّتْ دعوةُ التوحيد أرجاء الأرض بدعوته -عليه الصلاة والسلام- بعد أن كادتْ دعوة التوحيد تندثر مِن الأرض إلا قليلًا مِن أهل الكتاب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) (رواه مسلم).

وأما "السراج المنير": فبيان النور الذي في شخصه -صلى الله عليه وآله وسلم- فيما جاء به مِن الشرع، وفي الصفات العظيمة التي تحلى بها، وأقام الشرع بها، وأقام القرآن بها، فكان خُلُقُه القرآن؛ فجَمَع الله -عز وجل- فيه النور الذي جَعَله لمَن سَبَقه مِن أنبياء الله ورسله، حتى صار كالشمس -"السراج المنير"- لكل مَن أراد الهداية مِن خَلْقِ الله -سبحانه وتعالى- بعد بعثته، لا بُدَّ له وأن يتبعه ويطلب النور مِن خلفه -عليه الصلاة والسلام-، يطلب أن يهتدي بِهُداه الذي هداه الله به -صلى الله عليه وسلم-.

وكل هذا بالأحوال التي قام بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في المواقف كلها، وفي غزوة "الأحزاب" كان القيام بهذا على أعلى ما يكون؛ وذلك أن الغزوة كان فيها مِن المِحْنَةِ والشِدَّةِ ما لم يقع قبْل ذلك؛ يكفي أن العرب لم تجتمع قط بهذا العدد -عشرة آلاف مقاتل- مع تحالف مع اليهود، لم يجتمعوا قط في تاريخهم، اجتمعوا على حرب الإسلام، وسبحان الله! كَسَرَ اللهُ ذلك كله!

ومِن أهم أوصاف النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الأحوال الشديدة: "كثرة اللجوء إلى الله -عز وجل-، والتضرع، وكثرة الصلاة"؛ كان يقيم الصلاة -صلى الله عليه وسلم- في الليل وأصحابُه لا يستطيع أحَدُهُم أن يتحرك مِن شدة الجوع، وشدة البرد، وشدة الخوف، وتناقص عدد المسلمين معه؛ إذ ذهب أكثَرُهم إلى البيوت -منهم مَن هو صادقٌ، ومنهم مَن هو مُتَعَلِّلٌ بأن البيوت عورة!- كانوا في أول الغزوة ثلاثة آلاف في مواجهة عشرة آلاف مِن المشركين، ويوم انصرف مَن انصرف مِن "الأحزاب" كانوا ثلاثمائة وزيادة طفيفة.

فكل هذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يواجِهُه بكمال التوكل، وكمال التفويض، وكمال الدعاء والتضرع؛ لنتعلم كيف نفعل عندما تشتد الخطوب.

نلجأ إلى الله؛ فيهزم الله -عز وجل- كلَّ مَن تحَزَّبوا على الحق واجتمعوا ضده؛ يصرف أذاهم بكثرة الصلاة، باللجوء إلى الله -سبحانه وتعالى- والتضرع له، وزيادة الإسلام والإيمان.

زيادة الإسلام -عندما تأتي المِحَن-: بزيادة الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج والعمرة، وهكذا... وزيادة الطاعة فيما يتعلق بسائر الأمور، وأما الإيمان فهو الأحوال القلبية (وَمَا زَادَهُم إِلّا إِيمَانًا وتَسْليمًا) (الأحزاب:22).  

فهم ازدادوا إيمانًا وإسلامًا؛ ازدادوا إسلامًا بالطاعات، وازدادوا إيمانًا بالثقة بوعد الله، واليقين به، والتصديق بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (الأحزاب:22).

فلا بد وأن نعلم أن الأحوال الإيمانية المُستفادة مِن هذه الغزوة، وهذه السورة، هي وقود المؤمنين دائمًا في مواجهة مَن تَحَزَّبوا على دين الإسلام؛ يريدون إِسْقَاطَه وإِذْهَابَه.

نسأل الله -عز وجل- أن يحفظ الدين، وأن ينصر الإسلام والمسلمين.