إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 30 مايو 2017 - 4 رمضان 1438هـ

رمضان وتربية النفس

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الله -تعالى- خـَلق عباده فقراء محتاجين، وجعل فقرهم وحاجتهم إلى ما به قيامهم وحياتهم أمرًا لا يَختلف عليه اثنان مِن الحاجة إلى الطعام والشراب، والشهوة، والتفاهم مع الغير، وتحصيل المنافع بالمال؛ فجعل الله -تعالى- في الإنسان رغباتٍ لتحصيل هذه الحاجات، وميلاً لها؛ لأنه لا يستطيع أن يحيا بغير هذه الأمور، ولكن ليستْ هي الغاية مِن وجوده، بل هي مسخـَّرة له، وقد صارت هذه الشهوات سببًا لهلاك أكثر البشرية عندما صاروا يخدمونها، وصار أكثرهم يعيش ليأكل وليشرب، وليتناسل وليتكاثر، وليجمع الأموال، ويولد له الأولاد؛ فلذلك شقيت القلوب، وطغت النفوس!

والحقيقة: إن الذي له غاية أخرى يَعلم أن هذه الأشياء هي الوسيلة التي يُتوصل بها إلى الغاية، فلا يحتاج إلى أكثر مِن كفايته في هذه الدنيا، ويستغني عن الزيادات التي هي في الحقيقة شغل شاغل عن تحصيل غايته المطلوبة، ولكن أكثر الناس عاشوا في هذه الدنيا بلا تفكير: لماذا خُلقنا؟ وإلى أين يُذهب بنا؟ وما الغاية المقصودة مِن وجودنا؟ وماذا يريد منا خالقنا؟ لم يفكروا في ذلك، بل وجدوا أنفسهم يجوعون فقالوا: نأكل، وجدوا أنفسهم يشتهون النساء، فقالوا: نتناكح، سواء كان بالزواج أو بالزنا أو بالفواحش! وجدوا أنفسهم يرغبون في المال فقالوا: نأخذه سواء بالحلال أو بالحرام! عند ذلك طغت النفوس وفسدت، وعاش الناس لأجل هذه الشهوات، فشقوا في الحقيقة وتعسوا!

والله -تعالى- أرحم الراحمين، شرع لهم أكمل الشرائع التي تهذب نفوسهم وتصلح قلوبهم، وتجعلهم يتذكرون حقيقة هذه الرغبات، وأنها جُعلت فيهم لكي تكون مُعِيْنة لهم على الوصول إلى الغايات المطلوبة، وشرع لهم الله -تعالى- ترك الفضول مِن كل هذه الشهوات؛ حتى لا يَشغل الإنسان نفسه بغير حاجته وقدر كفايته.

ولو أن الناس رغبوا في ذلك لما شقوا في دنياهم، ولما تنافسوا عليها، واهتموا باكتنازها؛ وهل يأكل الغني الذي جمع الملايين أكثر مِن ملء معدته؟! ولو زاد لكان ذلك تخمة مضرة عليه، وكذلك في الملابس، وفي الأموال، وفي كل الشهوات.

ولذلك نقول: إن الله -تعالى- شرع لنا أكمل الشرائع التي تجعلنا نتحكم في شهواتنا، ونوجهها لا هي التي توجهنا، فكان شهر رمضان جامعًا لكل خصال الخير في تهذيب النفس، وأصل ذلك الصيام، وقد ذكر أهل العلم في مسالك التهذيب أنه لابد أن يتخلص الإنسان مِن فضول الطعام والشراب، وفضول الكلام، والخلطة، ومِن فضول المال، ومِن فضول الشهوة الجنسية، ومِن فضول المنام؛ فهذه ستة أشياء، انشغال الإنسان بها يجعله يضيع عمره فيما لا فائدة فيه.

وفي رمضان شرع الله لنا أن نتحكم في كل هذه الشهوات؛ فأنتَ لستَ تأكل حين تجوع، بل لكَ وقت محدد تمنع نفسك فيه، وتهذبها وتحكمها، وهذا يجعلها طيعة منقادة لأمر الله-تعالى-؛ ولهذا يسهل على الإنسان في رمضان -وعمومًا أثناء الصيام- مِن العبادات والطاعات ما لا يقدر عليه في غيره؛ ييسر الله له غض بصره، وكف أذنه، وحبس لسانه، ييسر الله له القيام كما يسَّر له الصيام.

شأن عجيب حقـًّا! لأن النفس تريد أن تنال رغباتها، والعاقل يريد أن يحكمها ويكون هو الملِك عليها، فإن الناس مع نفوسهم على مراتب، وأحوال القلوب مع النفوس الأمارة بالسوء، الراغبة في الشهوات على درجات متفاوتة، فمِن الناس مَن ملك قلبُه نفسَه فصار هو الذي يتحكم فيها ويقهرها، وبعد حين طويل مِن الحبس الطويل والتحكم فيها أزال ما بها مِن ضرر، وصار الحبس لها إصلاحًا، وصار منعها مِن رغباتها تهذيبًا، فصارت وزير صدق لذلك الملِك، ولا بد أن يبدأ الأمر بذلك، ولا يمكن أن تكون النفس الإنسانية مِن البداية مطيعة منقادة، محبة للطاعة، كارهة للمعصية، بل بدايتها أمارة بالسوء، متكاسلة عن الطاعة، مائلة إلى المعصية والشهوة؛ فذلك القلب الذي غلب النفس يستطيع بعد حين أن يعلمها ويهذبها حتى تمتلئ إيمانًا، بدلاً مِن أنه يرغم نفسه على قيام الليل، وصيام النهار، والإنفاق!

فبعد تهذيبها يجدها هي السباقة إلى هذه الأعمال الصالحات، وقد صارت وزير صدق معاونة للقلب، وعندما يأتيها الوسواس الخناس، ويقول لها: "انظري إلى هذه الصورة المحرمة، أو اسمعي إلى هذه الأغنية والموسيقى"، فتقول: "أعوذ بالله!"؛ فصارت هذه النفس مطمئنة إلى ذكر الله، وأسعد شيء عندها هو الشوق إلى الله، والتعبد والتقرب إليه -سبحانه-، كما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه: (وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

وهناك مِن الناس مَن هو مع نفسه في صراع وفي معركة، قلبه الذي هو محل العلم والإيمان يغلب أحيانًا وينتصر، ويصبح هو صاحب الكلمة، وأحياناً تغلبه النفس؛ فمرة يطيع ومرة يعصي، فهو مع نفسه في صراع دائم، يغلبها مرة وتغلبه مرة.

وهناك مِن الناس مَن غلبتهم نفوسهم؛ غلبت القلب وأسرَته وألقته في السجن، فيظل متحسرًا على ما يرى ويعلم، ولا يستطيع إنفاذ هذا الأمر في أرجاء المملكة، القلب الذي هو محل العلم والإيمان أصبح أسيرًا في السجن، ولذلك قالوا: "المأسور مَن أسره هواه، وحبس قلبه عن الله"، وإذا تمكَّنت الدنيا مِن قلبه سجنت الإيمان، فصار مجرد شيء في القلب، لا يستطيع أن يخرج، ولا أن يسيطر على الجوارح، يعلم أن هذه الأشياء محرمات، وينهى الجوارح عنها، ولكن الجوارح لا تطيعه، فالنفس الأمارة بالسوء تأمر وتنهى وتتحكم في المملكة، فتستجيب لها الجوارح، وهذا العبد يرى نفسه ويعلم أنه مقصِّر، ويرتكب منكرًا ومعصية، ومع ذلك هو عاجز قد أدمن المعاصي، فهو إذا قلتَ له: اتقِ الله، يقول لك: لا أستطيع أن أترك هذه المعصية، ونفسه تغلبه دائمًا!

ثم مع طول الحبس ينقلب الحال مِن أنه كان يقاوم ويعرف الحق مِن الباطل، وكان -رغم أسره- رافضًا للهزيمة، يصبح بعد ذلك عنده المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؛ انتكس القلب، فصار كما وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- قلبَ المنافق (أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (رواه مسلم)، صار لا يرى الحق حقـًّا ولا الباطل باطلاً، بل انقلب الأمر إلى أن صار ما تأمر به النفس هو الحق، وهذا هو الخطر الحقيقي؛ لأن الانتكاس ليس بأن يرى الحق حقـًّا ولو عجز عنه، فإنه يوشك أن تنهض همته إليه يومًا، ولكن إذا رآه باطلاً، إذا رأى أن الالتزام بالدين هو منكر مِن المنكرات، وأن القراءة في المصحف وكتب العلم كل ذلك ضرر، فماذا عساه أن يفعل؟!

هذا هو الضلال المبين وهذه هي الزندقة!

حقـًّا، هذه قلوب قد انتكست؛ فصارت ترى الحق باطلاً والباطل حقـًّا، ترى الإباحية والتحلل حرية!

وترى حكم غير الله ديمقراطية!

وترى موالاة الكفار مصلحة ومنفعة!

وترى الذل والانكسار لأعداء الله تحقيقًا للمصلحة!

هذه القلوب التي انتكست سببها أنها غُلبتْ أولاً في المعركة التي بيْن القلب وبيْن النفس.

فهذه فرصة عظيمة شرعها الله في رمضان لكي نتحكم في نفوسنا، ولو سأل كل واحد نفسه: أين أنتَ مِن هذه الطبقات؟ هل أنت ممن تحكم في نفسه الأمارة بالسوء؟

هل وجدت لذة العبادة؟ أم ما زلت تُكره نفسك عليها؟ أم أنك في الحقيقة إذا قمتَ ليلة لم تقم عشرًا؟! وإذا صمتَ يومًا لم تصم شهرًا؟! فهكذا تغلبك نفسك دائمًا على ذلك، فلا تنفق شيئًا في مرضاة الله، ولا تتعب بدنك في العمل لله تعلمًا وتعليمًا ودعوة وعبادة لله، وهكذا كل واحد منا بالتأكيد عرف نفسه في أي المراتب هو؟ ومَن الغالب في المعركة؟

وأنتَ مقبل على فرصة عظيمة حتى تنتصر على نفسك، وتتحكم في هذه الشهوات كلها، شرع الله لنا الصيام الذي هو أنفع أنواع التهذيب، أن تمتنع مِن طلوع الفجر إلى غروب الشمس مِن الطعام والشراب والشهوة، وأحل الله لنا ذلك فيما بيْن المغرب إلى طلوع الفجر الصادق، وهذا هو الوسطية المطلوبة التي فقدها الرهبان الذين كانوا على الرهبانية المبتدعة، كما وصف لله -تعالى-: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد:27)، حرَّموا على أنفسهم ما أحلَّ الله؛ ولذا قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (المائدة:87).

فالواحد منهم يحرِّم على نفسه أكل اللحم، ونكاح النساء، والنوم بالليل أو على الفراش، وهذا كان موجودًا في بعض مَن غالى في العبادة في أول الإسلام أو في أوائل الصوفية، وهؤلاء فقدوا الوسطية؛ ولذلك نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، ولما قالوا له: إنك تواصل، قال: (إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي) (متفق عليه)؛ ولذلك فأكثر أهل العلم على أن النهي عن الوصال، إما نهي تحريم -وهو الصحيح- وإما نهي تنزيه.

والوصال هو ألا يأكل ولا يشرب يومين متتاليين، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، فقال: (لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ) (رواه البخاري)، فأذن أن يواصل إلى السحر، ويأكل كل يوم أكلة واحدة في السحور، والحقيقة أن الوسطية هي الأمر المطلوب، أما أن يكون الإنسان يأكل كلما جاع، ويشرب كلما عطش، ولا يستطيع أن يتحكم في نفسه طول السَّنة؛ فهذا أمر مذموم، ولا شك أنه سوف تغلبه نفسه.

وقد شرع لنا القيام لترك فضول المنام، فلم يكن مِن عادته -صلى الله عليه وسلم- أن يحيي الليل كله دون أن ينام جزءًا منه طول السَّنة إلا في العشر الأواخر مِن رمضان، وذلك السهر خير وأوسط أنواع السهر الذي لا يغلب على الإنسان فلا ينام بالكلية فيحصل له الخلل في فكره وشعوره؛ ولذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (متفق عليه).

ولم يحرم الجماع بالكلية، ولكن حدد له وقتًا معينًا، وجعل الإنسان هو الذي يتحكم فيه، وفرض كفارة غليظة مشددة على مَن جامع عمدًا في نهار رمضان، بأن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينًا؛ فهذا التشديد حتى يستطيع التحكم في نفسه.

وشرع لنا مِن ترك فضول الكلام ما لا حاجة إليه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ) (رواه البخاري ومسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ) (رواه مسلم). (يَرْفُثْ): لا يقول الرفث، وهو الفاحش مِن القول. (يَصْخَبْ): لا يصيح. (وَلَا يَجْهَلْ): لا يقول الكلام السفيه الجاهل.  

وشرع لنا مزيد التحفظ مِن الغيبة والنميمة، والزور، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (رواه البخاري)؛ ولذا فارتكاب الكبائر أثناء نهار رمضان يذهب بأجر الصيام، ويجعل الصوم غير مقبول؛ لأن الصوم شرع لتحقيق التقوى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ) (البقرة:183)، فإذا ارتكب الكبائر أثناء صومه كان ذلك دلالة على أن صومه ليس هو الصوم المشروع؛ ولذا كان بلا ثواب وكان غير مقبول، ولم يكن لله حاجة في أن يَدع طعامه وشرابه.

ومَن يترك الصلاة مثلاً أو مَن تخرج متبرجة في نهار رمضان، أو مَن يسب ويلعن؛ فهذا مفطر بقلبه وإن لم يكن مفطرًا بفمه وبطنه، ولا ثواب له، وصومه غير مقبول، وإن كان يسقط عنه الفريضة ولا يؤمر بالإعادة؛ إلا أنه لا ثواب فيه، وإن جاع وعطش (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، فعليك أن تكون منتبهًا لصومك، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني)، فإذا كنتَ تحفظ لسانك في سائر الأوقات؛ فليكن حفظك له في رمضان أشد.

وكذلك ترك فضول المخالطة: فالغرض مِن خلطة الناس تحصيل ما ينفع الخلق، فالخلطة مع أصحاب اللعب واللهو مِن أعظم الضرر، فهؤلاء يجر بعضهم بعضًا إلى المنكرات والفواحش مِن الإدمان والسرقة، والزنا، والتدخين، وخلطة الصالحين خير خلطة، وهي تقلل مِن الاختلاط بأهل الفساد، وقد أصبح الاختلاط في زماننا له مفهوم أوسع منه في الزمن الماضي، فقد صارت الخلطة مِن خلال وسائل الإعلام ولو كان في حجرة مغلقة "مِن المذياع والتلفزيون، وغيرهما"؛ فحاول أن تكون على مقاطعة تامة لوسائل الإفساد في رمضان، لتكون مهتمًا  بشغل نفسك بطاعة الله وبصحبة الصالحين، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، كما قال ربنا في العبد الخطاء الذي جلس مع الصالحين لحاجةٍ وهو ليس منهم، قال الله  -تعالى-: (وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)، فمجرد التواجد في المساجد مع أهل البر والتقوى والصلاح مِن أسباب السعادة والمغفرة، وحذار أن تجعل المساجد سبيلاً إلى الخلطة المحرمة مِن الرياء والسمعة، وطلب الوجاهة والمنزلة بيْن الناس، فهذا هو الخطر على إخواننا، وإنما تخالِط مَن يذكرك بالله، وتذكره بالله.

والاعتكاف: فرصة للخلوة، ومحاسبة النفس، ولذلك نقول: ساعة يراجع الإنسان فيها نفسه كل يوم "حاسبوا أنفسكم قبْل أن تُحاسبوا، وزنوها قبْل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية"، وكما قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر:18).

أما فضول الأموال: فقد شرع الله لنا في رمضان قدرًا واجبًا، وقدرًا مستحبًا؛ فشرع لنا مِن الواجب زكاة الفطر، وهي طهرة للصائم مِن اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، وشرع لنا الصدقة في رمضان، وأفضل الصدقة في رمضان كما في الحديث: "أفْضَلُ الصَّدَقَةِ صَدَقَةٌ فِي رَمَضان" (رواه الترمذي، وضعفه الألباني)، وإن كان فيه ضعف، لكن يشهد له ما في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أجود ما يكون في رمضان، وحديثَ: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، فعليكم بكثرة الإنفاق، خصوصًا في سبيل الله -عز وجل-.

ومِن النفقة المشروعة في رمضان: "النفقة في العمرة"؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي) (متفق عليه)، وهذه العمرة في رمضان تجمع كل أنواع تربية النفس وتزكيتها، فلا تعبأ كثيرًا بالمستوى الفاخر، وإنما فكر كيف ستكسر عادة النفس؟! لأن العمرة فيه فيها نفقة، وفيها تحكم في كل الرغبات والشهوات.

نسأل الله -تعالى- أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.