إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 31 مايو 2017 - 5 رمضان 1438هـ

وحل الغفلة

كتبه/ سعيد صابر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: (ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) (رواه النسائي، وحسنه الألباني).

وإذا كانت الغفلة في زمن مضى حالة طارئة، وسحابة صيف توشك أن تنقشع لتشرق شمس اليقظة؛ إلا أن تلك الغفلة غدت هي الأصل في زمننا، فقد أصبحنا نحيا حياة الغفلة، فبيْن كل غفلة وغفلة غفلة، وعامة الخلق لا تلفينهم إلا غافلين مغيبين.

والـــنــاس فـــي غـــفـــلاتــهــم                      ورحــى الـــمـنـــيــة تــــطــحــن

ولنا حظ ونصيب مِن قول الله -تعالى-: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) (الأنبياء:1-3).

هذا، ولقد بيَّن الله -تعالى- كيف كان عاقبة الغافلين، فقال عن فرعون وآله الغافلين المغفلين: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (الأعراف:136).

وقال عمن كان على شاكلتهم في الغواية والضلالة، ووحل الغفلة: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (الأعراف:146).

- وللغفلة صور بعضها أقبح مِن بعضها؛ إلا أن أقبحها وأفدحها وأوقحها: أن يغفل المرء عن مبدأ خلقه، وعن الغاية التي خلق لأجلها، شأنه في ذلك شأن شاعر الغفلة الذي جعل يهذي غافلاً:

جـئتُ لا أدري مِن أين ولكني أتـيـتُ                 ولقد أبصرت قدامي طريـقـًا فمشيـتُ

وسأبقى سائرًا إن شئت هذا أم أبيت                لـــــســـــتُ أدري لـــــســــــتُ أدري

وإذا كان هذا شأن الرعاع الغافلين؛ فللمؤمن شأن آخر، وكيف لا وهو الذي يعلم مِن كتاب الله المبدأ والمنتهى، والغاية العليا التي خُلق لأجلها، والتي ذكرها بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56).

وفي الأثر الإلهي: "يا ابن آدم خلقتك لي وخلقتُ كل شيء لك، فلا تنشغل بما خلقته لك عما خلقتك له".

- ومِن الغفلة المدمرة: "الغفلة عن التوبة"، والتي أثمرت تلك الأزمات التي نكتوي جميعا بنارها: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى:30).

- ومِن البديهيات واليقينيات والمسلَّمات -التي نعرفها جميعًا كما نعرف أبناءنا-، تلك الحكمة البالغة التي تقول حروفها: "ما نزل بلاءٌ إلا بذنبٍ، وما رفع إلا بتوبة".

ومِن الغفلة -وما أكثر وأبشع صورها-: الغفلة عن ذكر الله بقلوبنا وألسنتنا وأرواحنا، مع أن هذا الذكر على مثل هذا النحو لمِن أعظم صور النعيم في العاجل والآجل؛ فما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله!

وما طابت الدنيا إلا بذكره!

ولا الآخرة إلا بعفوه!

ولا الجنة إلا برؤيته!

- أما الغفلة عن الذكر، وبيع قضيَّة الذكر؛ فضنك وشقاء؛ فلا يشغلنك أخي الرزق عن الرزاق، ولا الخلق عن الخلاق، ولا النعم عن المنعم.

أيها القارئ الكريم... إن لليقظة والاستقامة وقت الغفلة والانحراف شأنًا عند الله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ) (رواه مسلم). (الْهَرْجِ): أي في وقت الغفلة والضياع، والذي يثمر القتل والفساد والإفساد.

- فما أحوجنا أيها الأحبة إلى ثورة وانتفاضة إيمانية؛ سيما ونحن في هذه الأيام التي ترفع فيها الأعمال إلى الله -تعالى-، وعلى عتبات خير الشهور، وأندى الليالي!

- ما أحوجنا إلى إفاقة قبْل تجرع كأس الندم: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (ق:19-22).

ما أحوجنا إلى يقظةٍ عاجلةٍ؛ فرب شروق بلا غروب، ورب ليل بلا نهار!

وكم مِن رجل أصبح مِن أهل الدنيا، وأمسى مِن أهل الآخرة!

فاللهم إنا نعوذ بك مِن القسوة والغفلة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.