إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 31 مايو 2017 - 5 رمضان 1438هـ

الملاحدة... وقصة الخلق (8)

كتبه/ إيهاب شاهين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق أن أصحاب التطور الموجَّه يزعمون أن المخلوقات جاءت عن طريق التطور والتدرج مِن أنواعٍ مختلفةٍ، ولكن مِن وراء ذلك خالق؛ فلم تأتِ بطريق العشوائية، وإنما الإله هو الذي وجَّه هذه العشوائية والصدفة، يعني عشوائية منتظمة! زعموا ذلك! 

فهم يرون أن الله -تعالى- قد خلق تلك العملية كلها بجميع تفاصيلها "وليس أسبابها الأولى وحسب"؛ فكل ما ينسبه "داروين" للعشوائية، فهو عندهم فعل رباني تابع لإرادةٍ مسبقة، يتسلسل في جملةٍ مِن الأفعال المتتابعة حتى تجري عملية "التطور" هذه في إطار موجّه يجعلها تبدو على هذا النحو الذي يعتقدون بأن العلم قد أثبته، مستندين إلى تأويلٍ بدعي لقوله -تعالى- في سورة العنكبوت: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت:20).

فهم يعتقدون بعيدًا عن أي قواعد وضوابط، أن الآية الكريمة تأمرهم بالتنقيب في الحفريات للبحث في الكيفية التي بها جَرَت أحداث الخلق الرباني للدواب وسائر المخلوقات الحية على الأرض!

والمصيبة أنه يهدر الجهود العظيمة التي قام بها الأولون في وضع القواعد والضوابط والشروط لفهم كتاب الله -تعالى-!

والمعني المقصود مِن الآية الكريمة: سيروا في الأرض فانظروا يا عقلاء، كيف أن الله قد أنشأ الخلق الأول وبدأه تحقيقًا، بدليل هذا الخلق الذي ترونه ماثلاً أمامكم في الأرض حيثما ذهبتم، وهو معنى واضح يخاطـَب به العوام والخواص في كل زمان ومكان، ويخاطَب به أهل كل ثقافة وحضارة على اختلاف مقدار ما لديهم مِن العلوم والمعارف، ولا يُشترط فيه علم مخصوص "كعلم الأركيولوجيا والباليونتولوجي مثلاً!"؛ اللهم إلا فهم اللسان العربي الذي كان هؤلاء المبتدعة مِن أجهل الناس به!

وهذا المعنى الواضح الصريح يعضده تأويل الآية السابقة لهذه مباشرة، حيث يقول -تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (العنكبوت:19)، فهي استفهام خبري غرضه إثبات أنهم رأوا بالفعل -أعني المخاطَبين بهذا النص يوم نزوله عليهم، وكل مخاطب به إلى يوم الساعة- (كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ)؛ فسهل عليهم أن يقبلوا أنه بعد ذلك (يُعِيدُهُ)؛ لأن مثله على الله يسير.

وقالوا: إن الله يأمرنا في الآية بأن نمشي في الأرض لننظر كيف بدأ الخلق؟ مع أنه يحاججهم في الآية السابقة عليها مباشرة بأنهم قد رأوا بالفعل كيف (يُبْدِئُ) الخلق -سبحانه-، وليس كيف "بدأ" الخلق في أول الزمان -كما فهموا!-؛ فإن كانوا مِن عجمتهم قد اشتبه عليهم لفظة "بدأ" هذا الاشتباه، فما بالهم بلفظة (يُبْدِئُ) (المضارعة) في الآية قبلها؟!

قالوا: فلما مشينا ونظرنا؛ وجدنا نظرية تقول لنا: إنه بدأ الخلق مِن خليةٍ واحدةٍ، ثم أخذ يطوِّر عليها ويزيدها تعقيدًا بالطفرات، فقبلنا تلك النظرية، وصرنا بذلك أول مَن عمل بأمر تلك الآية في تاريخ الأمة! فإنا لله وإنا إليه راجعون.

مع أن العقل والبداهة تقتضي: أن يكون هذا الذي أمر الله الناس بالنظر فيه شيء يسعهم أن يروه حتى تقوم به حجة الآيات عليهم، ويتحقق المقصود! فكيف يُعقل إذن أن يكون حقيقة هذا الأمر مِن الله أن: انتظروا عباد الله حتى يأتيكم مَن يمشي في الأرض "ليكتشف" كيف نشأت المخلوقات في أحداث دحي الأرض، وبث الدواب فيها، فيتحصل لديكم أن البعث والنشور سيكون ارتقاءً داروينيًّا كما كانت هذه الأحداث "تطويرًا"؟!

ما هذا الهراء؟!

إنه هراء أهل البدع والأهواء! عافانا الله وإياكم والمسلمين.

فيعتقدون بذلك أن الله قد قصد، وأراد أن يجري الخلق على الأرض في سيناريو "تطويري" موجَّه، ظاهره العشوائية الداروينية! 

وزعموا أن هذا الاعتقاد حقيقة علمية لا تقبل النقاش! وأما الفرق بيْن التطور الصغروي والكبروي، فهذا في المقال اللاحق -بمشيئة الله تعالى-.

والحمد لله رب العالمين.