إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 17 مايو 2017 - 21 شعبان 1438هـ

معالم على طريق الاستعداد لشهر رمضان (1) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة: شحذ الهمم للاستعداد لشهر رمضان.

مقدمة: أهمية الاستعداد لشهر رمضان:

- الأزمنة الفاضلة مِن أنسب أوقات الجد والاجتهاد في طاعة الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ فَإِنَّ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ) (رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني).

- شهر رمضان مِن أعظم الأزمنة الفاضلة، ومواسم الجود الإلهي، حيث تعتق الرقاب، وتوزع الجوائز على الأحباب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- على المؤمنين أن يتواصوا على تحصيل أعلى درجات الفوز بهذا الجود الإلهي، بحسن الاستعداد، فهم أولى بذلك مِن دعاة الباطل، واللهو الفجور، الذين تتعاظم هممهم في الاستعداد لهذا الشهر: قال الله -تعالى-: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) (الليل:4).

- سيد الصائمين -صلى الله عليه وسلم- كان يستعد لرمضان بكثرة الصيام في شعبان: قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ" (متفق عليه).

- الكل يستشعر قرب رمضان، ولكن هل أعددنا أنفسنا لإقباله؟: سأل رجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: (وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟) (متفق عليه)، وقال الله -تعالى-: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) (التوبة:46).

- أمثلة على أهمية الاستعداد: (الطالب المتفوق - العداء الماهر - الجيش المنتصر - ... )؛ فكيف بطلاب الآخرة؟! (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن:60)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ يُنَزِّلُ الْمَعُونَةَ عَلَى قَدْرِ الْمَئُونَةِ) (أخرجه البزار في مسنده، وصححه الألباني)

(1) تحقيق التوبة الصادقة:

إذا كنتَ تنتظر زائرًا عزيزًا لبيتك، ووجدتَ بيتك غير نظيف، فماذا سيكون حالك؟ فنحن مأمورون بالتطهر في كل وقت: قال الله -تعالى-: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:31).

- ويتأكد التطهير في الأزمان الشريفة؛ لأنها توقظ الغفلة لما يصاحبها مِن أحوال شريفة، تعين على التطهير: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ) (متفق عليه).

- كلنا نحتاج إلى التطهير والتنظيف: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني)، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ" (رواه البخاري).

- لا وقت للتسويف، بل سارع مِن الآن: قال الله -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133). "لقي أحد السلف أخًا له، فقال له ناصحًا: يا أخي، أترضى حالك التي أنتَ عليها للموت؟ قال: لا، قال: هل هناك دار للعمل غير هذه الدار؟ قال: لا، قال: فهل لك نفسان إذا ماتت إحداهما عملت الأخرى؟ قال: لا، قال: فهل تأمن هجوم الموت وأنت على حالك هذه؟ قال: لا، قال: فما أقام على ما أنتَ عليه عاقل!" (أسرار المحبين).

(2) تعويد الجوارح على الاستقامة "لا سيما اللسان":

- ليس الصيام في رمضان عن الأكل والشرب، ثم إطلاق الجوارح ترتع هنا وهناك، وإنما هو للتربية والتهذيب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ " (رواه البيهقي، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَم يَدَعْ قَوْلَ الزُوْرِ والعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للّه حَاجَةٌ فِي أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ) (رواه البخاري)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنْ صَوْمِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني).

- لا بد مِن صيانة الجوارح، وتعويدها على الاستقامة قبْل الشروع في الصيام: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) (الإسراء:36).

- اللسان أخطر الجوارح، وإن كان أصغرها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). (تُكَفِّرُ اللِّسَانَ): تذل له وتخضع.

- أقوال اللسان تحدد مصير الإنسان: قال الله -تعالى-: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق:18)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

- كلمة واحدة مِن اللسان قد تضيع الإنسان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) (رواه البخاري)، وفي رواية: (يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

خوف السلف مِن خطر اللسان:

- قال ابن بريدة -رحمه الله-: "رأيتُ ابن عباس آخذ بلسانه وهو يقول: ويحك! قل خيرًا تغنم، أو اسكت عن سوء تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم"، وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- يحلف ويقول: "والله الذي لا إله إلا هو، ما على وجه الأرض شيء أحوج إلى طول سجن مِن لسان".

- وأخذ أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- بطرف لسانه، وقال: "هذا الذي أوردني الموارد!"، وقال طاووس -رحمه الله-: "لساني سبُعٌ إن أرسلته أكلني!"، والعامة يقولون: "لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن هنته هانك".

علاج اللسان:   

- الذكر والصيام خير علاج: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) (متفق عليه).

- ابدأ مِن الآن في تعويد اللسان على الاستقامة، وطهره مِن أمراضه "الغيبة - النميمة - الكذب - ... " وإلا ضاع أجر الصيام: (لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ) (رواه ابن خزيمة، وصححه الألباني).

(3) تعويد البدن على القيام:

- أكثرنا لا يقوم مِن العام إلا قليلاً، ولذلك لا يواصِل حتى نهاية رمضان، فلا بد مِن التدريب والتعود مِن الآن؛ فسيد القائمين -صلى الله عليه وسلم- كان يقوم حتى تتورم قدماه في سائر العام، وإذا أقبل رمضان قامه كله؛ فكيف بنا المقصرين؟!

- مِن خصائص رمضان: أنه شهر القيام والتراويح، والسهر والتهجد لله -عز وجل-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه).

- فضل القيام عظيم في سائر العام، فكيف به في شهر القيام؟: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

خاتمة: مَن زرع حصد:      

- ازرع في شعبان لتحصد في رمضان: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) (التوبة:46).

- اصدق مِن الآن، تحصد في رمضان: قال أنس بن النضر -رضي الله عنه- بعد بدر: "لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ، لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ" (رواه البخاري).

وللحديث بقية عن معالم أخرى على طريق الاستعداد لرمضان -إن شاء الله-.