إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 08 مايو 2017 - 12 شعبان 1438هـ

الملاحدة... وقصة الخلق (5)

كتبه/ إيهاب شاهين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي المقال السابق كنا قد طرحنا زعم بعض الملاحدة لإشكالاتٍ في قصة خلق الإنسان، يذكرونها على أنها شبهات! وهي:

هل آدم خلق أولاً أم حواء -عليهما السلام-؟

وهل خلق آدم -عليه السلام- خلقًا مباشرًا أم تدريجيًّا تطويريًّا مِن خلية أحادية مرَّت بمراحل عبْر ملايين السنين إلى أن وصلتْ لصورة الإنسان الحالي؟!

إن الله -سبحانه وتعالى- قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء) (النساء:1)، ولم يقل: "خلقكم مِن زوجين" وانتهى؛ لأنه عندما يُردّ الشيء إلى اثنين قد يكون لواحدٍ مِن الاثنين هوى، وإنما هذه رُدت إلى واحدةٍ فقط، فيجب ألا تكون لكم أهواء متنازعة؛ لأنكم مردودون إلى نفسٍ واحدة، وهذه هي العظمة؛ أنه خلق الرجل وخلق الأنثى، وهي مِن جنسه، ولكنها تختلف معه في النوع بحيث إذا التقيا معًا أنشأ الله منهما رجالاً ونساءً.

إذن فهي عملية مقصودة، وعناية وغاية وحكمة، وانظروا إلى عظمة الأسلوب في قوله: (وَبَثَّ) أي: نشر، والخلق يجب أن ينتشروا في الأرض، كي يأخذوا جميعًا مِن خيرات الله في الأرض جميعًا.

والنشر معناه: تفريق المنشور في الحيز، فهناك شيء مطوي وشيء آخر منشور، والشيء المطوي فيه تجمع، والشيء المنشور فيه تفريق وتوزيع، إذن فحيز الشيء المتجمع ضيق، وحيز الشيء المبثوث واسع، ونريد أن نفهم هذه كي نأخذ منها الدليل الإحصائي على وجود الخالق؛ فهو (بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) والجمع البشري الذي ظهر مِن الاثنين سيبث منه أكثر... وبعد ذلك يبث مِن المبثوث الثاني مبثوثًا ثالثًا، وكلما امتددنا في البث تنشأ كثرة؛ فكلما تقدَّم الزمن تحدث زيادة في السكان، ونحن نرى ذلك في الأسرة الواحدة، فهي مُكوَّنة عادةً مِن أب وأم، وبعد ذلك يمكن أن نرى منهما أبناءً وأحفادًا، وعندما يطيل الله في عمر أحد الوالدين يرى الأحفاد، وقد يرى أحفاد الأحفاد.

فكلما تقدَّم الزمن بالمتكاثر مِن اثنين يزداد، وكلما رجعت إلى الماضي يقل؛ فعندما يقول الحق: إنه خلق آدم وحواء -عليهما السلام-، وتحاول أنتَ أن تسلسل العالم كله سترجعه لهما، وما دام التكاثر ينشأ مِن الاثنين، فمن أين جاءا؟!

الحق -سبحانه- يوضح لنا ذلك بقوله: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) (الحجرات:13)، وكان مِن الضروري أن تأتي هذه الآية كي تحل لنا اللغز في الإحصاء؛ فكلما أتى الزمن المستقبل كثر العالم، وكلما رجعنا إلى الماضي قلَّ التعداد إلى أن يصير وينتهي إلى اثنين، وإياك أن تقول إلى واحدٍ؛ لأن واحدًا لا يأتي منه تكاثر، فالتكاثر يأتي مِن اثنين.

ومِن أين جاء الاثنان؟ لا بد أن أحدًا خلقهما، وهو قادر على هذا، ويعلمنا الله ذلك فيقول: (خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) ونأخذ مِن (بَثَّ) الانتشار؛ ولو لم يقل الله هذا لكانت العقول الحديثة تتوه وتقع في حيرة، وتقول: نسلسل الخلق حتى يصيروا اثنين، والاثنان هذان كيف جاءا؟!

فلا بد أن نؤمن بأن أحدًا قد أوجدهما مِن غير شيء! وهو الله -سبحانه وتعالى-.

والحمد لله رب العالمين.