إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 18 أبريل 2017 - 21 رجب 1438هـ

قيمة الوقت في حياة الصالحين (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود  

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموضوع:

التنبيه على أهمية الوقت -الوقت هو المدة الزمنية بيْن ولادة الإنسان ووفاته-، والتحذير مِن إضاعته فيما لا يعود بالنفع، لاسيما مع انتشار التقنيات العصرية (النت - صفحات التواصل - الفضائيات والبرامج الحوارية) التي صارت تستهلك أوقاتًا مِن حياة كثير مِن الصالحين.

المقدمة:

- الإشارة إلى محتوى العنوان والغرض مِن الحديث، وبيان أن ظاهر الحديث يستهدف الصالحين الذين يضيعون كثيرًا مِن أوقاتهم في المباحات والمفضولات أو اللغو مِن خلال الوسائل العصرية وغيرها، وهو كذلك يحمل تعريضًا بالذين يضيعون الأوقات الكثيرة في المعاصي والمحرمات، سواء في هذه الوسائل أو غيرها.

1- أهمية الوقت:

- لقد نبَّه القرآن على قيمة الوقت في سياقاتٍ متعددة مِن خلال قَسَم العظيم -سبحانه- بمكونات الوقت: قال الله -تعالى-: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى . وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) (الليل:1-2)، وقال: (وَالضُّحَى . وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) (الضحى:1-2)، وقال: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا . وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا . وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا . وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) (الشمس:1-4)، وجمع الكل فقال: (وَالْعَصْرِ) (العصر:1).

- وأرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن الوقت مِن نعم الله التي يجب المحافظة عليها: قال -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ) (رواه البخاري).

- وجاء في القرآن التأنيب للكفار والعصاة على تضييع الأوقات: قال الله -تعالى-: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ? أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) (فاطر:37).

- وأخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن الإنسان مسئول عن هذا الوقت ومحاسب عليه، فوجب عليه الاستعداد لذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال للذي سأل عن الساعة: (مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟) (متفق عليه).

2- خصائص الوقت:

- أن الوقت قصير؛ لأنه ثلاثة أيام (أمس واليوم والغد)، وأنتَ لا تملك إلا يومك: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا) (لقمان:34).

- أن الوقت ينقضي سريعًا: وأكثر ما يظهر فيه قصر الوقت: أوقات الغفلات، ومثاله: سل الذين يمكثون الساعات مع النت وصفحات التواصل والفضائيات عن ذلك يجيبونك! (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) (المؤمنون:113)، ولذلك قالوا: "الوقت كالسيف، إذا لم تقطعه قطعك".

- أن الوقت لا يعود: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون:100).

- أن الوقت أغلى مِن الذهب: (تأمل قيمة اللحظات التي دخل بها قاتل المائة نفس إلى أرض التوبة). وقال الحسن -رحمه الله-: "أدركتُ أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دنانيركم ودراهمكم".

- صورة مؤسفة: قد يتألم بعض الناس لفقد وضياع جنيهات معدودة، ولا يتألم لضياع ساعاتٍ عديدة، وإذا أراد إنفاق شيئًا مِن ماله، تحقق موضع الاستحقاق، في الوقت الذي ينفق مِن وقته وعمره الساعات والأيام دون مبالاة!

3- قسمة الوقت في حياة المسلم:

ينقسم الوقت في حياة المسلم إلى أصل وفرعين:

- فأما الأصل فهو العبادة التي مِن أجلها خلق: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56).

- وأما الفرع الأول: فهو السعي في أسباب رزقه ما لم يكن عنده أسبابه، فيخرج هذا الفرع مِن القسمة (الأغنياء وأرباب المعاشات ونحوهم)، قال الله -تعالى-: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك:15).

- وأما الفرع الثاني: فهو الشهوات المباحة "الزوجات والأولاد ونحوه - الترويح المباح": قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حق الزوجات والأولاد: (يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَة) (رواه مسلم)، وأقر يعقوب -عليه السلام- أولاده على طلب اللعب لما قالوا: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) (يوسف:12).

- لا يجوز للفروع أن تغلب الأصل وإلا هلك الإنسان: قال الله -تعالى-: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:77)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) (رواه البخاري).

4- أحوال الصالحين مع الوقت:

- يحاسبون أنفسهم على ساعات يومهم: قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما ندمتُ على شيء ندمي على يوم غربتْ شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي"، وقيل لكرز بن وبرة -وكان مِن العُبَّاد الكبار-: "اجلس معنا قال: احبسوا الشمس وأنا أجلس معكم! مَن يمسك الشمس وهي تذهب في فناء الأعمار، واختصار الأوقات؛ لأنها لن تعود مرة ثانية".

- أوقاتهم عامرة بصور العبادة التي مِن أجلها خلقوا: قال موسى بن إسماعيل التبوذكي: "لو قلتُ لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا لصدقت، كان مشغولاً؛ إما أن يحدث، أو يقرأ أو يسبح أو يصلي، قد قسَّم النهار على ذلك" (قل لي بالله عليك، ما تظن أن يموت عليه هذا الرجل؟ قالوا: "مَن عاش على شيء مات عليه"). وقال يونس المؤدب: "مات حماد بن سلمة في الصلاة في المسجد" (قيمة الزمن عند العلماء لأبي غدة ص 27).

- يفاضلون بيْن المصالح وواجبات الوقت: روى محمد بن قدامة، قال: "سمعت أبا يوسف يقول: مات لي ابن، فلم أحضر جهازه ودفنه، وتركته على جيراني وأقاربي، مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عني" (مناقب أبي حنيفة للموفق المهدي، نقلاً عن قيمة الزمن ص27).

وذكر السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، في ترجمة الحافظ المنذري -رحمه الله- قال: "وقد درس المنذري في دار الحديث بالكاملية، وكان لا يخرج منها إلا لصلاة الجمعة حتى إنه كان له ولد نجيب محدث فاضل، وكان أحد الأذكياء النبغاء الحفاظ، توفاه الله في حياته، فصلى عليه الشيخ داخل المدرسة، وشيعه إلى بابها، ثم دمعت عيناه، وقال: أودعتك الله يا ولدي، وفارقة ولم يخرج مِن المدرسة" (قيمة الزمن ص70).

- يحرصون على شغل أوقاتهم بالصالحات، ولو كان في أحرج اللحظات: قال القاضي إبراهيم الكوفي: "مرض أبو يوسف، فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟ قلتُ: في مثل هذه الحالة؟! قال: ولا بأس بذلك، ندرس لعله ينجو به ناج؟ ثم قال: يا إبراهيم، أيما أفضل في رمي الجمار -أي في مناسك الحج- أن يرميها ماشيًا أو راكبًا؟ قلت: راكبًا، قال: أخطأت، قلت: ماشيًا، قال: أخطأت، قلت: قل فيها، يرضى الله عنك. قال: أما ما كان يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه ماشيًا، وأما ما كان لا يوقف عنده فالأفضل أن يرميه راكبًا. ثم قُمتُ مِن عنده، فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه، وإذا هو قد مات -رحمه الله-" (قيمة الزمن ص29).

5- خاتمة:

- هكذا الصالحون؛ لأنهم يعلمون أنهم عن أوقاتهم يسئلون.

فأي إجابة أعددتها أنتَ للسؤال؟!

وما تحب أن تكون الإجابة؟!

أتحب أن تكون الإجابة: قضيتُ أكثر وقتي وعمري بيْن صفحات التواصل أم أن تكون: قضيته في أسباب كيف أكون إلى الجنة واصلاً؟

أتحب أن تكون إجابتك: قضيتُ أكثر وقتي بيْن القنوات الفضائية والبرامج الحوارية أم أن تكون: قضيته في معرفة ديني والأحكام الشرعية؟! وهل وهل... ؟!

- كل ذلك تعريض كذلك بالذين ضيعوا أوقاتهم في المعاصي والمحرمات؛ فكيف تكون إجابة هؤلاء إذا سئلوا عن أوقاتهم: (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) (إبراهيم:44).

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.