إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 02 مارس 2017 - 3 جمادى الثانية 1438هـ

رسائل المواساة (5) اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الرسالة:

المواساة والتصبير للفقراء وأصحاب المعاناة في الدنيا, بانتظار عيش الجنة في الآخرة.

المقدمة:

- الإشارة إلى أنه سبق التنبيه في رسالة "أدب المسلم الفقير" على أن مِن أهم الآداب التصبر بانتظار عيش الآخرة.

- التنبيه على أن الإنسان يعيش منذ وجوده حياتين: حياة الدنيا, وحياة الآخرة, والأولى استثنائية، والثانية هي الحقيقية، قال الله -تعالى-: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) (الفجر:23-24).

- لما كان عيش الدنيا ومتاعها مشهود, وعيش الآخرة ومتاع الجنة غيب موعود, تعلق كثيرٌ مِن الناس بالمشهود؛ لثقل الموعود وانتظاره على نفوسهم؛ ولأجل ذلك قارن الحق -تبارك وتعالى- بيْن متاع الدنيا ونعيم الآخرة, وأطال في ذم الدنيا، وبيان فضل الآخرة، وما ذلك إلا ليجتهد الإنسان في طلب نعيم الآخرة، وسنتناول ذلك مِن خلال ثلاثة وجوه للمقارنة.

1- متاع الدنيا قليل زائل، ونعيم الآخرة كثير دائم:

- لا وجه للمقارنة والتقارب، والمقارنة بينهما كالمقارنة بيْن البحر والقطرة: قال الله -تعالى-: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) (النساء:77)، وقال: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) (النحل:96)، وقال عن خلود نعيم الآخرة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ . جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (البينة:7-8)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) (رواه البخاري).

وقال بعض السلف: "لو كانت الدنيا مِن ذهبٍ يَفنى، والآخرة مِن خزف يبقى، لكان على العاقل أن يختار الخزف الباقي على الذهب الفاني؛ فكيف والدنيا مِن خزف يفنى، والآخرة مِن ذهب يبقى؟!".

- الدنيا كلها بمتاعها لا تساوى عشر نصيب أدنى أهل الجنة منزلة: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُولُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا -أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا-، فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي -أَوْ أَتَضْحَكُ بِي- وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟) قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَكَانَ يَقُولُ: (ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً) (متفق عليه).

2- نعيم الآخرة أفضل مِن حيث النوع:

- وليس عيش الآخرة أفضل مِن جهة الكثرة والدوام فحسب، بل مِن جهة النوع كذلك؛ فمتاع الآخرة حقيقي، ومتاع الدنيا مزيف، وهذا هو وجه المقارنة الثاني: قال الله -تعالى-: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185)، وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:14).

- فالأسماء تشترك، ولكن النوع يختلف، وهذه صور مِن متاع الآخرة تدل على الاختلاف وإن اتفقت الأسماء: قال الله -تعالى-: (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) (البقرة:25).

- أغنى أغنياء العالم لا يبلغ قصره قطعة صغيرة مِن ولاية أو محافظة: أما قصور الجنة فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في صفة بنائها: (لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَاليَاقُوتُ، وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وسبق حديث أدنى رجل مِن أهل الجنة.

- ما مِن طعام مِن أطعمة الدنيا وشرابها إلا وله آثار مضرة باعتبار أو آخر؛ فهذا يزيد السكر، وهذا يزيد الأملاح، وهذا يرفع الضغط، وهذا يزيد الدهون في الدم، وهذا كذا... ! أما طعام وشراب أهل الجنة: قال الله -تعالى-: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) (الحاقة:24)، وقال -تعالى-: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) (الإنسان:21).

وقال -تعالى-: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) (الواقعة20-21)، (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) (الإنسان:5)، (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً . عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً) (الإنسان:17-18)، (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ . عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) (المطففين:27-28).

- لباس أهل الجنة: قال الله -تعالى-: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) (الكهف:31).

- ركائب أهل الجنة: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الجَنَّةِ مِنْ خَيْلٍ؟ قَالَ: (إِنِ اللَّهُ أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ، فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ فِي الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ إِلَّا فَعَلَتْ) قَالَ: وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الجَنَّةِ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ قَالَ: (إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وهذه إجابة بالوحي تصلح لكل زمان "الطائرة - الصاروخ - السيارات بأنواعها - ... ".

3- نعيم الآخرة خالٍ مِن شوائب الدنيا وكدرها وآلامها:

- الجنة خالية مِن الفقر والحاجة، والأمراض والأوجاع، والقذر والحيض، والقبح، والشيخوخة، والحقد والحسد، والقهر والظلم، و... و... وحال أهل الجنة عند دخولها يدل على ذلك: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (فاطر:34-35). وقد سُئِل الإمام أحمد -رحمه الله-: متى الراحة؟! فقال: عندما تضع أول قدمٍ مِن قدميك في الجنة.

- الجنة دار النقاء والصفاء والطهر؛ لأنها دار السلام مِن كل كدرٍ وشائبة: قال الله -تعالى-: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:127)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ) (رواه مسلم)، وقال: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ) قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: (جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ) (رواه مسلم)، وقال: (يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ جُرْداً مُرْداً كَأَنَّهُمْ مُكَحَّلُونَ أَبْنَاءُ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِينَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

- الجنة أهلها صالحون، أقوالهم طيبة، أفعالهم صالحة: قال الله -تعالى-: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (الحجر:47)، وقال: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) (الواقعة:25-26).

خاتمة:  

أيها المسلم... إذا أردتَ هذه الدار الطيبة؛ فاعلم أن عيش الدنيا ليس للمتاع، وإنما للعمل والتزود لعيش الآخرة: قال الله -تعالى-: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (البقرة:281)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) (رواه مسلم)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا لِي ولِلدُّنْيَا، وَمَا لِلدُّنْيَا وَمَا لِي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلاّ كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني).

وبعد، فهذه رسائل خمس لكَ أيها الفقير، إذا تدبرتها وعملتَ بمحتواها؛ رزقتَ راحة الدنيا والآخرة.

اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك مِن سخطك والنار.

وصلى الله على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.