إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 27 فبراير 2017 - 30 جمادى الأولى 1438هـ

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (15) نظرة حول منهجية الحكم الصحيحة

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد أن استعرضنا فترة حكم أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- وما تخللها مِن أحداث نقول: إنه لا بد للحاكم أن يحكم أمور الدولة بكل حزم، لأنه لا يَجترئ على فعل المُحرمات والتعدي على حقوق الناس ومُمتلكاتهم، ونَشر الفوضى وأعمال العنف، والتمادي في الإجرام؛ إلا مَن أمِن العقوبة، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، واللين في موضع الشدة ضعف، والشدة في موضع اللين عنف.

وها هو عثمان -رضي الله عنه- يذكر كيف تلقى بعض الناس رفقه ولينه معهم  ذلك بعد فترة مِن حكمه، فقد روى يحيى عن أفلح بن حميد عن أبيه قال: لما أراد عثمان -رضي الله عنه- أن يكلِّم الناس على المنبر ويشاورهم في أمر توسعة المسجد، قال له مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي، هذا أمر خير لو فعلته ولم تذكر لهم، فقال: ويحك! إني أكره أن يروا أني أستبد عليهم بالأمور. قال مروان: فهل رأيت عمر حيث بناه وزاد فيه ذكر ذلك لهم؟ قال: اسكت، إن عمر اشتد عليهم فخافوه، حتى لو أدخلهم في جحر ضب دخلوا، وإني لنتُ لهم حتى أصبحت أخشاهم. قال مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي لا يسمع هذا منك فيجترأ عليك(1).

وروى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- أن أباه قال: "لقد عتبوا على عثمان أشياءً لو فعلها عمر ما عتبوا عليه".

وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان شاهد عيان لخلافة عثمان مِن أولها إلى آخرها، وهو يشهد لعثمان بأن كل ما عتبوا به عليه كان يحتمل أن يكون مِن عمر -وهو أبوه-، ولو كان ذلك مِن عمر لما عتب أو اعترض عليه أحد؛ فقوة عمر -رضي الله عنه- وحزمه وشدته المتزنة الممزوجة بالحكمة كان لها تأثير بالغ في أحواله مع الرعية؛ فكان عمر -رضي الله عنه- قوي الشكيمة، شديد المحاسبة لنفسه, ولمن تحت يديه، و كان عثمان ألين طبعًا وأرق في المعاملة، ولم يكن يأخذ نفسه أو يأخذ الناس بما يأخذهم به عمر حتى يقول عثمان نفسه: "يرحم الله عمر، ومَن يطيق ما كان عمر يطيق" وقد أدرك عثمان ذلك أيضًا حين قال لأقوام سجنهم: "أتدرون ما جرأكم عليَّ؟! ما جرأكم عليَّ إلا حلمي!"، فهذا اللين وهذه الرأفة مِن مميزات عثمان -رضي الله عنه-، لكن بعض الناس لم يحسنوا أن يقابلوا ذلك بالإحسان والطاعة.

هذا ومع وجود اللين والرفق مع مَن استحق ذلك مِن الرعية، فلا بد مِن التوازن بيْن الشدة واللين، ولا تكون الشدة إلا في موضعها، وكذلك اللين يكون في موضعه، ونؤكِّد على أن الحلم واللين مع الرعية كان مِن حسنات عثمان -رضي الله عنه-، ولم يكن أبدًا مِن سيئاته كما يظن البعض، ولا يٌعد حلمه ورحمته مِن النقائص والمعايب، بل كان العيب في الذين لم يحسنوا أن يعيشوا في كنف الحلم واللين والرحمة، ولم يحسنوا أن يقابلوا الإحسان بالطاعة، بل كانوا على العكس مِن ذلك تمامًا!

ثم إننا نشير أن رقعة الدولة قد توسعتْ وازدادت في عصر عثمان -رضي الله عنه-، ودخل كثير مِن الناس الإسلام بثقافاتٍ وطباع مختلفة، وهذا أيضًا كان له أثر بالغ في المجتمع؛ لذا وجب على الحاكم أن يراعي تنوع ثقافات الناس واختلاف طباعها، لا سيما مَن تعود منهم على أسلوب المُلك وهو بلا شك يختلف عن أسلوب الخلافة، ثم إنه كان ينبغي على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- ألا يحدِّث الناس على المنبر في أمر توسعة المسجد وغيره، بل كان عليه أن يتخذ مجلس شورى مِن الثقات يستشيرهم ويكتفي بذلك، ثم لا بد أن نعلم أن فترة الخلافة هي بالطبع أفضل مما بعدها مِن فترات الملك.

ولا بد أيضًا مِن وجود سياسة الاستيعاب بحكمةٍ واعتدال دون إفراط أو غلو، ومَن تدبر منهج معاوية -رضي الله عنه- في الحكم علم ذلك جيدًا؛ فلقد استطاع معاوية -رضي الله عنه- أن يحكم الدولة الواسعة المترامية الأطراف بكل حزمٍ وحكمة، وقد سٌئل معاوية -رضي الله عنه-: "كيف حكمت الشام أربعين سنة ولم تحدث فتنة؟! فقال: "إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعتْ، كانوا إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها"(2).

فقد امتاز معاوية -رضي الله عنه- بالعقلية الفذة, فإنه كان يتمتع بالقدرة الفائقة على الاستيعاب, فكان يستفيد مِن كل ما يمر به مِن الأحداث, ويعرف كيف يتوقاها, وكانت خبراته الواسعة وممارسته لأعباء الحكم على مدى أربعين سنة منذ ولاه عمر -رضي الله عنه- الشام, فكانت ولايته على الشام عشرين سنة أميرًا, وعشرين سنه خليفة للمسلمين, هذه الفترة الطويلة التي تقلب فيها بيْن المناصب العسكرية والولاية، أكسبته خبرة في سياسة البلاد, والاستفادة مِن كل الظروف والأوضاع التي تمر بها, حتى استطاع أن يسير بالدولة عشرين سنة دون أن ينازعه منازع؛ لذا أثنى كثير مِن الصحابة وأهل العلم على معاوية وسياسته في الحكم.

يقول الشيخ الخضري: "أما معاوية نفسه, فلم يكن أحد أوفر منه يدًا في السياسة, صانع رؤوس العرب, وكانت غايته في الحلم لا تدرك, وعصابته فيه لا تنزع، ومرقاته(3) فيه تزل عنها الأقدام(4), ومِن المعلوم أن السياسة الناجحة تتوقف على القدرة على ضبط النفس عند الغضب, واحتواء الشدائد حتى تنجلي, واستخدام الأساليب المتنوعة حسب الأحداث والمتغيرات، ولمعاوية في ذلك نصيب، وكانت تلك سياسته مع العامة والخاصة, قال عمر بن الخطاب: "تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية".

ويقول عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-: "ما رأيتُ أحدًا أسود مِن معاوية قال: قلت: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرًا منه، وكان معاوية أسود منه!". وفي رواية: "ما رأيتُ أحدًا بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسود مِن معاوية. قيل: ولا أبا بكر؟ قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرًا منه, وهو أسود منهم"(5).

ويقول عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "ما رأيتُ رجلاً كان أخلق بالملك مِن معاوية"(6).

وقال ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-: "وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين".

ويقول ابن تيمية -رحمه الله-: "واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة, فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك, كان ملكه ملكًا ورحمة(7)، وقال: فلم يكن مِن ملوك المسلمين خيرًا منهم في زمان معاوية إذا نُسبت أيامه إلى أيام مَن بعده، أما إذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل". وذكر ابن تيمية -رحمه الله- قول الأعمش عندما ذكر عنده عمر بن العزيز -رحمه الله- فقال: "فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: في حلمه, قال لا والله في عدله"(8).

وهكذا يجب أن يكون الحكام في كل موطن، وفي كل وقت، يتعاملون مع الواقع بما يتناسب معه، إذن لا بد مِن وجود قدرٍ مِن الحزم والقوة، وقدرٍ مِن اللين والحلم، وقدرٍ مِن الاستيعاب بحكمة.

أما استعمال صفتي اللين والحلم مع الجميع بمختلف التوجهات؛ فهذا ربما يقابله البعض بالإجرام والتمادي في الظلم، وهذا حتمًا سيؤثر بالسلب على أمن العباد والبلاد، والله تعالى أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمهودي (2/83).

(2) العقد الفريد لابن عبد ربه (1/25).

(3) مِرْقاة: جمع مَرَاقٍ: وهو موضع الرُّقِيّ والصُّعود أو أداته كالدَّرجة مِن درجات السُّلَّم.

(4) الصلابي: تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ص175 نقلاً عن الدولة الأموية للخضري، ص 377.

(5) البداية والنهاية لابن كثير (11/ 430). وأسود أي: أحكم، والأسْوَدُ مِن الناس: أكثرهُم سيادة، انظر معجم المعاني. ورواه أبو بكر بن الخلال في السُّنة.

(6) ابن كثير، المصدر السابق (11/ 439).

(7) ابن تيمية، الفتاوى (4/ 478).

(8) ابن تيمية، منهاج السُّنة (6/ 232)، (3/ 185).