إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 23 فبراير 2017 - 26 جمادى الأولى 1438هـ

رسالة إلى ورثة الأنبياء (2) لا تيأس

كتبه/ جابر عبد الوهاب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: (قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (رواه البخاري).

ففي هذا الحديث العظيم شكا خباب بن الأرت -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما يَلقى مِن أذى المشركين، شكوى تحمل في طياتها معنى الضيق والألم؛ فضرب له -صلى الله عليه وسلم- مثلاً بما لقيه المؤمنون في الأزمنة الماضية، ثم طرد عن قلبه اليأس، وزرع فيه الأمل الخصب حين أخبره أن الله -تعالى- سيتم هذا الأمر حتى يسير الراكب مِن أقصى الجزيرة إلى أقصاها لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه.

أيها المسلمون: إن أهل الإيمان والدعوة إلى الله هم أشد تعرضًا للأذى والمحن والابتلاء في أموالهم وأنفسهم وكل عزيز لديهم، وقد اقتضى نظام الكون أن يكون لهم أعداءٌ يمكرون بهم ويكيدون لهم، ويتربصون بهم الدوائر، كذلك جعل الله لآدم -عليه السلام- إبليس، ولإبراهيم -عليه السلام- النمرود، ولموسى -عليه السلام- فرعون، ولمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- أبا جهل وأمثاله (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان:31)، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) (الأنعام:112).

وكذلك يكون المؤمنون مِن أتباع الأنبياء هم أشد الناس بلاءً بعد الأنبياء؛ الأمثل فالأمثل، ومَن ظن أن طريق الإيمان والدعوة إلى الله مفروش بالأزهار والرياحين؛ فقد جهل طبيعة الإيمان بالرسالات، وطبيعة أعداء الرسالات! ولعل هذا الحسبان دخل في نفوس بعض المؤمنين في العهد المكي بعد ما أصابهم مِن العذاب ما أصابهم؛ فنزل قوله -تعالى-: (الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:1-3).

بل في العهد المدني نجد القرآن ينفي مثل هذا الحسبان في مثل قوله -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214).

فالجنة إذن لا بد لها مِن ثمن، وهي السلعة الغالية؛ فلا مفر مِن الثمن، وقد دفعه أصحاب الدعوة مِن قبْل؛ فلا بد أن يدفعه إخوانهم مِن بعدهم، وذلك أن أصحاب الدعوة إلى الله -تعالى- يطلبون مِن الناس أن يتحرروا مِن أهوائهم ونزواتهم وشهواتهم وموروثاتهم، وما ألفوه ونشأوا عليه، ويطلبون منهم كذلك أن يثوروا على عادات أقوامهم الباطلة، ويقفوا عند حدود الله فيما أمر ونهى، وأحلَّ وحرَّم، وهذا والله ما فيه حياة قلوبهم وانشراح صدورهم، واتساع نفوسهم في الدنيا ونعيمها في الآخرة في جناتٍ ونهر، في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر.

وكثير مِن الناس لا يريدون ذلك ولا يحبون الدعوة إلى هذا الخير -نعوذ بالله!-؛ ولهذا نجدهم يقاومونها بكل قوةٍ، ويحاربون دعاتها بكل سلاح، وينفقون أموالاً لا طائل لها! ويصدون عن سبيل الله بكل سبيلٍ ممكن، معتقدين أنهم أكثر أموالاً، وأعز نفرًا، وأوسع سلطانًا، وأكثر ظهورًا في منتدياتهم وقنواتهم وإعلامهم الضال المضل، وهنا يظهر دور الدعاة إلى الله الذين لا يَعرف اليأس إلى قلوبهم سبيلاً؛ الذين يتسلحون بسلاح اليقين، ويعتصمون بضياء الصبر، قال الله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24)، فالصبر وعدم اليأس كما يقول علي -رضي الله عنه-: "سيف لا ينبو، ومطية لا تكبو، وضياء لا يخبو".

وهذا هو السر في اقتران التواصي بالصبر والحق في سورة العصر، قال الله -تعالى-: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:3)؛ ولهذا أوصى لقمان -عليه السلام- ولده بالصبر وعدم اليأس عندما يصيبه بلاء وأذى عقب وصيته له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله -تعالى-: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان:17)، كأنه يقول له: ما دمتَ تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فوطـِّن نفسك على احتمال المكاره منهم، وتقبَّل الأذى مِن جهتهم؛ فهم خصومٌ لمَن يأمرهم بالمعروف؛ لأنه ثقيل عليهم، وأعداءٌ لمن ينهاهم عن المنكر؛ لأنه محبب إليهم، وهنا يحتاج الداعي إلى سبيل ربه إلى صبرٍ عظيم، وعمل دءوبٍ، وصدرٍ منشرح، للتغيير مِن الضلال إلى الهدى، ومِن الغي إلى الرشاد، ومِن الفساد إلى الإصلاح، إلخ.

ألم ترَ إلى نوحٍ -عليه السلام- الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا؛ استعمل فيها معهم كل ممكن، وطيلة هذه الفترة لم ييأس، وتعاقب عليه أجيال؛ فلم يكل ولم يمل مِن دعوتهم إلى الله -تعالى-، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا القليل، وسيرة نبينا -صلوات الله عليه وتسليماته- شاهدة على صبره وتحمله وجَلده، وعدم يأسه في دعوته إلى ما فيه نجاة قومه، وفي سبيل ذلك وجد مِن الصد والإعراض، والسب والشتم ومحاولة الاغتيال أكثر مِن مرة، وهو ماضٍ كما أمره الله، لا يلتفت إلى جهل الجاهلين وإعراض المعرضين حتى بلـَّغ رسالة ربه -تبارك وتعالى- على أكمل وجه وأجمل صورة -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا سائر الأنبياء والمرسلين ما أن يجهروا برسالة ربهم فيُعرِض عنهم الجاهلون، ويتخلى عن رسالتهم المبطلون، ولكن هذا الأمر لن يدفعهم إلى اليأس، بل واصلوا دعوتهم وأقاموا الحجة كما أمرهم مَن أرسلهم -تبارك وتعالى-، وهكذا أئمة الهدى ومصابيح الدجى مِن المتقدمين والمتأخرين مِن أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- الداعين إلى الصراط المستقيم لم ييأسوا أبدًا مع ما لاقوه مِن أذى وإعراض، بل نجحوا نجاحًا عظيمًا في تربية الأجيال الذين جاءوا مِن بعدهم.

والناظر في حال أئمة وعلماء ودعاة عصرنا هذا يجد العجب العجاب مِن صبرهم وعدم يأسهم مما يَلقون مِن الأذى الذي يأتيهم مِن جهاتٍ شتى، ومع ذلك فهم صابرون صامدون، ننظر إلى أحدهم فكأنما ننظر إلى الجبال الشم الرواسي في الثبات والتضحية بكل ما يملكون.

افترض أن الإمام أحمد -رحمه الله-، إمام أهل السُّنة والجماعة وإخوانه مِن أئمة المذاهب: كالإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، وغيرهم مِن أئمة المذاهب العظماء: كالليث بن سعد، والشعبي، والزهري، ومَن مثلهم في الفقه، والسفيانين، وابن معين، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبد الوهاب الثقفي، والبخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمسانيد -رحمهم الله جميعًا- وغيرهم مِن المحدثين الذين حفظوا لنا سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-... افترض أن اليأس تسرب إلى قلوبهم في مقتبل طلبهم للعلم؛ كيف كان الحال؟!

أما أنا فلا أستطيع أن أتخيل هذا!

بل افترض أن شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية -رحمه الله-، وتلامذته كابن القيم الجوزية، والمزي، وابن رجب، وابن كثير، وغيرهم لو لم يَظهروا في التاريخ الإسلامي، ولم ينتشر العلم بهذه الصورة الفذة النافعة - لو أنهم يأسوا في بداية طلبهم للعلم ونشرهم للدعوة؛ فقل لي بربك كم كان سيضيع مِن العلم والفهم الذي ورثوه عن الأئمة ومَن بعدهم؟!

ولكَ أن تتخيل في واقعنا المعاصِر ونشأة السلفيين في مصر والعالم العربي بداية مِن العلامة محمد رشيد رضا، وإخوانه وتلامذته -وعلى رأسهم الشيخ حامد الفقي- الذين عملوا على هندسة دخول السلفية إلى مصر، والشيخ ابن باديس في الجزائر، والشيخ السنوسي في ليبيا وغيرهم، وكل هذه الدعوات المباركة التي هي مِن أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- الإمام المظلوم مِن خصومه -وعلى رأسهم الصوفية-؛ تخيل لو كان اليأس تخلل إلى قلوب هؤلاء الأفذاذ؛ فإلى أين كانت ستسير الأمور مع نشاط العلمانية والعلمانيين؟!

وأخيرًا: تخيل الدنيا اليوم -وهذه الصحوة المباركة التي كان العامل الأساسي فيها الأمل وعدم اليأس بعد توفيق الله- كيف كانت ستكون لو لم يَظهر فيها مثلث العلم النافع: سماحة الشيخ ابن باز، والمحدث النحرير الشيخ الألباني، والفقيه النبيل الشيخ محمد صالح العثيمين، وتلامذتهم مِن أبقاع المعمورة؟!

وهنا في مصر؛ أولئك الأفاضل الذين بدأوا شبابًا عصاميين، نشروا العلم والدعوة في أروع صورها، ولم ييأسوا يومًا مع كثرة العراقيل التي قابلتهم، ومِن هؤلاء: فضيلة الشيخ أبي إدريس، والشيخ محمد إسماعيل المقدم، والشيخ أحمد حطيبة، والشيخ أحمد فريد، والشيخ ياسر برهامي، والمحدث الكبير أبي إسحاق الحويني، والشيخ العدوي، والشيخ العفاني، وغيرهم مِن إخوانهم وتلامذتهم.

مثل حي في الصبر والمثابرة والطموح وعدم اليأس

الشيخ "ياسر برهامي":

الشيخ ياسر برهامي -حفظه الله تعالى-، يتهمه الخوارج أنه مرجئ، وتتهمه المرجئة أنه مِن الخوارج! فضلاً عن سجنه أكثر مِن مرةٍ ظلمًا بإقرارٍ مِن محاكميه، ويتهمه العلمانيون أنه متشدد ومتعصب، ويتهمه الإخوان أنه مداهِن!

وما مِن واقعةٍ تقع في المجتمع لا يجدون شماعة يضعون عليها فشلهم إلا هو!

وإذا أراد مغرض "عدو للدين والسُّنة" أن يطعن في الشرع -كمن يريد أن يمحو التراث حتى يجذب إليه الناس ليشاهده الملايين!- فإنه يبدأ أول ما يبدأ بالطعن فيه؛ لأنه بالنسبة له مادة حية، وفيها صيد ثمين لجذب الناس إليه؛ ناهيك عن الحسد الذي يقع مِن بعض الأقران له، وتعرض الجاهلين له بالسب والشتم والاعتداء حتى في الحرم، والتعدي على منزله ظلمًا وعدوانًا إلى غير ذلك... وهو مع ذلك كله سائر -كما يعظ هو الإخوة بذلك- كأنه قطار يسير على قضيبين لا يلتفت إلى أحدٍ؛ همه الوحيد إعلاء كلمة الله -تعالى- في الأرض، نحسبه كذلك والله حسيبه؛ لا ييأس أبدًا، نسأل الله له المزيد مِن الثبات والرسوخ، والتقوى والخير، فهو ما إن نراه حتى يدب الأمل في قلوبنا.

فيا ورثة الأنبياء...

أيها الدعاة والعلماء وطلبة العلم...

لا سبيل إلى دعوة الناس إلا بالصبر وعدم اليأس؛ لا تيأسوا فإن اليأس ليس مِن أخلاق المسلمين.

لا تيأسوا؛ فإن اليأس انتحار القلب، اليأس يربح غالبًا المعارك مِن النفس.

أما الدعاة إلى الله؛ فلا ينبغي أن يخسروا المعركة مع اليأس أبدًا.

يا ورثة الأنبياء... اليأس لا يليق بكبار النفوس.

لا خير في اليأس كل الخير في الأمل               أصل الشجاعة والإقدام في الرجل

وصلى الله وسلم على محمدٍ وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.