إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 22 فبراير 2017 - 25 جمادى الأولى 1438هـ

رسائل المواساة (4) مفاتيح أبوب الرزق (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموضوع:

تذكير بأسباب الرزق المعنوية، وهي التي جعلها الله أسبابًا لفتح أبواب الرزق المادية.

المقدمة:

- التنبيه على أن كثيرًا مِن الناس يغفلون عن هذه المفاتيح، وربما ولجوا أبوابًا للرزق غير شرعية: "كالسرقة، والغش والكذب، والرشوة، والقروض الربوية، ونحو ذلك"، وتركوا هذه المفاتيح العظيمة لأبواب الرزق المشروعة!

- الإشارة إلى أن هذه الرسالة غير مختصة بالفقراء: فهي مواساة للفقراء، وينتفع بها كذلك الأغنياء، والتنبيه على أن الزيادة في الأرزاق على نوعين: حسية ومعنوية؛ فالحسية تكون في الكمية والعدد، والمعنوية تكون بحصول البركة في نفس الكمية والعدد.

1- تقوى الله -تعالى-:

- جعل الله التقوى مِن أعظم الأسباب الجالبة للرزق وزيادته مِن حيث لا يخطر على بال: قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق:2-3)، وقال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف:96).

- التقوى أن تفعل ما يأمرك الله به، وتجتنب ما ينهاك عنه، وحول ذلك دارت عبارات السلف: قال ابن مسعود -رضي الله عنه- في قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (آل عمران:102): "أن يُطاع فلا يُعصي، ويُذكر فلا ينسى، وأن يُشكر فلا يكفر"، وقال أبو هريرة -رضي الله عنه- لمن سأله عن التقوى: "مَا التَّقْوَى؟ قَالَ: أَخَذْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعْتَ؟ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الشَّوْكَ عَدَلْتُ عَنْهُ أَوْ جَاوَزْتُهُ أَوْ قَصُرْتُ عَنْهُ, قَالَ: ذَاكَ التَّقْوَى".

وأخذ هذا المعنى ابن المعتمر، فقال:

خـلِّ الــذنــوب صـغـيـرهـا وكـبـيـرهـا ذاك التـقـى

واصنع كماش فوق أرض الشوك يحـذر مـا يـرى

لا تـحــقـرن صــغـيــرة إن الـجــبـال مِـن الحصى

- صور مِن فتح أبواب الرزق للمتقين مِن حيث لا يخطر لهم على بال: "هاجر أم إسماعيل وبئر زمزم - وهذا أخ صالح يجلس بيْن أولاده يوصيهم بالصبر وقد نفذ مخزون التموين في البيت؛ فإذا بالباب يدق، ففتح فإذا أحد إخوانه التجار مِن أهل المسجد يرسل إليه هدية، وهي عبارة عن سلع تموينية تكفي لشهور!".

2- كثرة الاستغفار:

- جعل الله طلب المغفرة مِن الأسباب الجالبة للأرزاق والمنافع الأخرى: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الشيخ أحمد شاكر)، وروى مطرف عن الشعبي أن أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- خرج يستسقي بالناس فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فقيل له: "ما سمعناك استسقيت!" فقال: "طلبتُ الغيث بمجاديح السماء التي يتنزل بها القطر، ثم قرأ: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) (نوح:10-11)".

"وشكا رجل إلى الحسن البصري الجدب، فقال له: عليك بالاستغفار، وشكا آخر الفقر، فقال له: عليك بالاستغفار، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولدًا، فقال له: عليك بالاستغفار، وشكا إليه رجلٌ جفاف بستانه، فقال له: عليك بالاستغفار، فقالوا له في ذلك: أتاك رجال يشكون أنواعًا فأمرتهم كلهم بالاستغفار. فقال: "ما قلتُ مِن عندي شيئًا، إن الله -تعالى- قال في سورة نوح: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) (نوح:10-12)".

- تنبيه مهم جدًّا: الاستغفار الذي يجلب الأرزاق ويبارك في قليلها، والذي يؤدي المقصود، هو الذي يواطئ فيه القلب اللسان، مع الرجوع عن الذنوب حقيقة؛ وإلا كان ذلك استغفار الكذابين!

3- صلة الرحم:

- لصلة الأرحام ثمار عديدة، وآثار طيبة، منها: بسط الرزق والبركة في قليله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ, وَيُنْسَأُ لَهُ فِي أَثَرِهِ, فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمِدَّ اللَّهُ لَهُ فِي عُمُرِهِ، وَيُوَسِّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيَدْفَعَ عَنْهُ مَيْتَةَ السُّوءِ؛ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر).

- صور للصلة مع الأرحام: "زياراتهم - الإهداء إليهم - السؤال عنهم - تفقد أموالهم - التصدق على فقيرهم - احترام كبيرهم - حسن ضيافتهم - عيادة مريضهم - أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر".

4- الإحسان إلى الضعفاء:

- الرحمة والشفقة على الضعفاء "الفقراء - المرضى - الغرباء - الخدم - الأرامل - الأيتام" سبب للرزق والنصر: عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ) (رواه البخاري)، وقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (ابْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- إيذاء الضعفاء سبب لحرمان الأرزاق، وفى قصة أصحاب الجنة عبرة: (فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ) (القلم:23-24)، فكانت العقوبة: (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (القلم:19-20).

5- التفرغ للعبادة:

- التفرغ للعبادة هو تفريغ القلب مِن الشواغل أثناء العبادة، وشغل كل وقت وفرصة للتعبد والتقرب لله -عز وجل-: وإلا فإن كثيرًا مِن الناس إذا ترك شواغل الدنيا للصلاة مثلاً، تراه شغلها كلها بالتفكير في أمور الدنيا التي تركها ظاهرًا؛ فما بالك بالذين لا يتفرغون قلبًا ولا قالبًا، وهم منهمكون في شواغل الدنيا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ, تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، مَلَأتُ صَدْرَكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

6- شكر الله -تعالى-:

- علـَّق الله -تعالى- المزيد في الأرزاق بشكره، ومزيده -سبحانه- لا نهاية له: قال الله -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7)، وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "قَيِّدُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ". قلتُ: ورحم الله مَن قال: "مَن شكر الكريم زاده".

7- إنزال الشكوى بالله -تعالى-:

- كثير مِن الناس في طلب الرزق ينزل على أبواب الخلق الفقراء، وينسى باب الغنى الحميد الذي يرفع الحاجة والفقر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى؛ إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى عَاجِلٍ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

الخاتمة:

- احذر أن تكون مع هذه الأسباب كالمريض الذي ترك الطبيب الحاذق؛ لأنه لم يجرِّب هذا الدواء مِن قبْل.

- تذكر أن الزيادة في الأرزاق لا يشترط أن تكون في الأموال وحدها: "بركة الصحة - بركة الطعام - بركة الثياب - بركة الممتلكات والمستهلكات - بركة الأهل والعيال - ... ".

- تذكر أنك مهما أُعطيتَ مِن الرزق الدنيوي؛ فإنه لا يساوي شيئًا بالنسبة لرزق الآخرة؛ فإن العيش الحقيقي هو عيش الآخرة.

وهذا هو موضوع حديثنا في المرة القادمة -إن شاء الله-.