إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 08 فبراير 2017 - 11 جمادى الأولى 1438هـ

رسائل المواساة لأهل الفقر والمعاناة (2) (موعظة الأسبوع) أدب المسلم الفقير

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:

بيان بعض الآداب والأسباب التي تعين الفقير على تحمُّل فتنة الفقر، ولنيل الفضائل التي تقدَّم الحديث عنها.

مقدمة: لماذا كان عامة المسلمين فقراء؟

- الفقر سُنة كونية في المؤمنين، لتكون لهم الآخرة: قال الله -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214)، وقال -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155).

وعن عبد الله بن مغفل -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. فَقَالَ لَهُ: (انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ)، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: (إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا؛ فَإِنَّ الفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- الكفار يعطون الدنيا؛ لأنهم مشغولون بها، ويعطونها تعجيلاً لثوابها، حيث ينتظرهم العذاب الأليم: قال الله -تعالى-: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) (الأحقاف:20).

آداب المسلم الفقير:

1- حسن التوكل على الله:

- المؤمن يعلم أن الأرزاق مِن عند الله، وهي مقدَّرة، فلا يتوكل إلا على الله؛ لأنه مِن صحة الإيمان: قال الله -تعالى-: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (المائدة:23)، وقال الله -تعالى-: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (هود:6)، وقال: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات:58)، وقال: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) (الذاريات:22).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ) (متفق عليه). وقال الحسن -رحمه الله-: "علمتُ أن رزقي لا يأخذه غيري؛ فاطمأن قلبي".

- التربية النبوية ترسِّخ عقيدة التوكل على الله في سلوك المسلم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ يعنِي إذا خَرَج مِنْ بيْتِهِ: بِسْم اللَّهِ توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، ولا حوْلَ ولا قُوةَ إلاَّ بِاللَّهِ، يقالُ لهُ هُديتَ وَكُفِيت ووُقِيتَ، وتنحَّى عنه الشَّيْطَانُ) (رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الألباني)، وفي رواية: (فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

- إن الله لا يضيع مَن توكل عليه، وحسن التوكل يضمن لك كفاية الله: قال الله -تعالى-: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق:3)، وفى حديث هاجر أم إسماعيل -عليهما السلام-، قال لها جبريل -عليه السلام-: "فَإِلَى مَنْ وَكَلَكُمَا ابراهيم؟ قَالَتْ: إِلَى اللَّهِ, قَالَ: وَكَلَكُمَا إِلَى كَاف" (رواه الطبري في تفسيره بسندٍ حسن عن علي -رضي الله عنه-).

2- الرضا بما قسم الله:

- الرضا بما قسم الله، يورث الغِنى في قلبك، والقناعة في نفسك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَارْضَ بِما قَسَمَ الله لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النّاسِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني)، وقال - صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) (متفق عليه)، وقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ) (رواه مسلم).

وصدق مَن قال:

هـي الـقـنـاعـة فـالـزمهـا تعش ملكًا                لـو لـم يـكـن فـيـك إلا راحـة الـبـدن

وانـظـر لـمـن مَـلَـك الدنيا بأجـمعـها                هل راح منها بغير القطن والكفن؟!

- احذر التشكي والتسخط؛ فإنه ينافي الرضا، وهو نذير منع النعم (مِن صور التشكي وعبارات التسخط: إعلان الحاجة والفلس دائمًا - حظي أسود - ليه يا رب كده؟ - المتعوس يلاقي العظم في الكبدة - فضلاً عن مظاهر العصبية واليأس): قال الله -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7)، وفي حديث زيارة إبراهيم -عليه السلام - لبيت ولده إسماعيل -عليه السلام-، ومقابلة الزوجة الشاكية المتسخطة، وترك له رسالة: (غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ) (رواه البخاري).

- احذر أن تكون ممن يحسن ويعبد إذا نزلت به النعم، ويسيء ويعصي إذا نزلت به الشدائد والمحن: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) (الفجر:15-16).

- ليست النعم محصورة في المال، فقد تُعطى المال وتحرم غيره: عن يونس بن عبيد -رحمه الله- أن رجلاً شكا إليه ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك أن لكَ ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا. قال: فبرجليك؟ قال: لا، قال: فذكره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوف، وأنت تشكو الحاجة!" (أمثلة: الكثير مِن الأغنياء محرومون مِن نعمة تناول ما تأكل أنتَ مِن أنواع الأطعمة والأشربة).

3- لا تنظر إلى مَن هو فوقك:

"مقادير الأرزاق في المآكل والمشارب، والملابس، والمساكن، والصحة والنسب، والعقل والديون... " تتفاوت لحكم يريدها الله -عز وجل-: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (العنكبوت:62)، وروي في الحديث القدسي: "وإن مِن عبادي المؤمنين لمَن لا يصلحه إلا الغنى؛ ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن مِن عبادي المؤمنين لمَن لا يصلحه إلا الفقر؛ ولو أغنيته لأفسده ذلك".

- لا تنظر إلى مَن فوقك في الدنيا؛ فتحتك الكثير: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى من هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُم) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

- احذر أن تحسد الأغنياء، وادع الله لهم أن يكونوا مِن الشاكرين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) (متفق عليه).

4- الاقتصاد في المعيشة:

- كثير مِن الفقراء تزداد معاناتهم بسبب محاكاة الأغنياء في الكماليات والتحسينات، والمساكن، والمآكل والمشارب والثياب، والهواتف المحمولة ونحوه؛ فتتراكم عليهم الديون والهموم، و كثير مِن الفقراء تتراكم ديونه؛ لأنه يتبع طريقة "كلما اشتهيت اشتريت!": مرَّ جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- ومعه لحم على عمر -رضي الله عنه- فقال: "ما هذا يا جابر؟ قال: هذا لحمٌ اشتهيتُه فاشتريته. قال: أوَكلما اشتهيت شيئًا اشتريته، أما تخشى أن تكون مِن أهل هذه الآية: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا) (الأحقاف:20)".

- الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يعين على الاقتصاد، ويهوِّن البلاء: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنه دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا هو مضجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئًا على وسادة مِن أدم حشوها ليف، ورفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت في بيته شيئًا يرد البصر غير أُهُبة ثلاثة. فقلتُ: يا رسول الله، ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارسًا والروم قد وسّع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان متكئا، فقال: (أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا) (متفق عليه).  

- وليس في بيته فقط، بل في مأكله ومشربه وسائر معيشته: عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالتْ له: "ابْنَ أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلاَلِ، ثُمَّ الهِلاَلِ، ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَارٌ! فَقُلْتُ يَا خَالَةُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟! قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا" (متفق عليه).

- القليل مع الرضا والقناعة والتعفف راحة وكفاية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ الْآدَمِيِّ، لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ) (رواه مسلم)، ورحم الله أيامًا كان آباؤنا يقولون فيها: "بيت لا زلعة مش فيه جياع أهله!".

5- التعفف والسعي إلى الكسب الحلال:

- ليس معنى أن الأرزاق مقدَّرة أن يترك الفقير السعي في التكسب، ووقاية نفسه ذل السؤال: قال الله -تعالى-: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:10)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ) (متفق عليه).

وعن معاوية بن قرة أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لقي ناسًا مِن أهل اليمن فقال: "مَن أنتم؟. قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتكلون، إنما المتوكِّل الذي يلقي حبَّه في الأرض، ويتوكل على الله" (رواه الحاكم وابن أبي الدنيا)، وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "لحمل الجبال عليَّ أهون مِن سؤال الرجال!".

6- الدعاء والتضرع والاستقامة:

- أدب المسلم إذا نزل به البلاء، اللجوء إلى خالق الأرض والسماء، ورافع البلاء عن الفقراء: قال الله -تعالى-: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:43).

- ارفع شكواك إلى مولاك، كما كان مِن موسى -عليه السلام-، لتكون لك الإجابة والفرج مثله: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص:24)، فكان الجواب: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:25)، وفي الحديث القدسي قال الله -تعالى-: (يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وكان مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى) (رواه مسلم).

7- التصبر بالجنة:

- تذكر نعيم الجنة يهوِّن عليك بلاء الفقر والحاجة والغلاء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ) (رواه مسلم).

- تصبر بفضائل الفقراء في الآخرة: وقد سبق الحديث عنها: "أحب المؤمنين إلى الله - أول مَن يرد الحوض - أول مَن يجوز الصراط - أكثر أهل الجنة - يسبقون الأغنياء بخمسمائة عام".

فاللهم أرفع عنا البلاء والغلاء، واقض عنا الدين، وفرِّج عنا الهم.