إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 31 يناير 2017 - 3 جمادى الأولى 1438هـ

رسائل المواساة لأهل الفقر والمعاناة (1) (موعظة الأسبوع)

فضل الفقير الصابر

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:

- رسائل تصبير ومواساة للفقراء في هذه الأيام التي اشتد فيها الغلاء، وازدادت فيها المعاناة، وذلك مِن خلال أحاديث مسلسلة على الترتيب التالي: "فضل الفقير الصابر - أدب المسلم الفقير - لماذا زاد الغلاء والبلاء؟ - مفاتيح أبواب الرزق - اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة".

مقدمة:

- الإشارة إلى خطورة ازدياد الفقر والغلاء على المجتمع؛ دينًا ودنيا، وأنه لا بد مِن تعاون الجميع "الحكام والأمراء - الدعاة والعلماء - التجار والأغنياء؛ فضلاً عن الفقراء" في مواجهة الأزمة. 

- الفقر والغنى محنتان مِن الله يختبر بهما عباده "بالصبر والشكر": قال تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35).

- ترجيح فضل الفقير الصابر على الغني الشاكر، يدل على شدة فتنة الفقر؛ لما يلازمها مِن الذل والاستضعاف والقلة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني)، وكان يقول -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، وقال بعض السلف: "كاد الفقر أن يكون كفرًا"، ويؤثر عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته!".

- التنبيه على: أن هذه الفضائل حاصلة بسبب وصفيين متلازمين، وهما: "الفقر والصلاح"، وليس بسبب الفقر ذاته؛ فالفقر وحده غير مانع مِن العذاب، فضلاً عن حرمان الفضائل والثواب. 

فضائل الفقراء الصالحين:

1- الفقراء أكثر أتباع الأنبياء:

- أحجم أكثر الأغنياء في كل زمان عن اتباع الأنبياء؛ ففاز بها أكثر الفقراء: ففي حديث أبي سفيان مع هرقل: "وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ" (رواه البخاري)، وقال -تعالى- عن قوم نوح -عليه السلام-: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) (الشعراء:111)، وقال: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) (هود:27).

- بل الأنبياء أنفسهم كانوا فقراء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) (رواه البخاري).

2- الفقراء أحب المؤمنين إلى الله والأنبياء:

- أمر الله الأنبياء بملازمتهم: فقال لمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف:28)، وقال عن نوح -عليه السلام-: (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) (هود:29)، وقال: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (هود:31).

- النبي -صلى الله عليه وسلم- يتقرب إلى الله بحبهم، ويسأله أن يكون معهم في الدنيا و الآخرة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ المَسَاكِينِ يَوْمَ القِيَامَةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وكان يقول -صلى الله عليه وسلم-: (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ) (رواه البخاري).

3- الفقراء أول مَن يرد الحوض:

- لما اشتد ظمأ الناس في الموقف، ثم صرف المؤمنون الصالحون إلى الحوض، قدِّم الفقراء على جميعهم: عن ثوبان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: (إِنَّ حَوْضِي مَا بَيْنَ عَدَنَ إِلَى أَيْلَةَ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، أَكَاوِيبُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَأَوَّلُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، الدُّنْسُ ثِيَابًا، وَالشُّعْثُ رُءُوسًا، الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ، وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). ولما سمع عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- هذا الحديث، قال: "لَكِنِّي نَكَحْتُ المُتَنَعِّمَاتِ، وَفُتِحَ لِيَ السُّدَدُ، وَنَكَحْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ المَلِكِ، لَا جَرَمَ أَنِّي لَا أَغْسِلُ رَأْسِي حَتَّى يَشْعَثَ، وَلَا أَغْسِلُ ثَوْبِي الَّذِي يَلِي جَسَدِي حَتَّى يَتَّسِخَ!".

4- الفقراء أول مَن يجوز الصراط:

- لما اشتد الموقف على الصراط، وتفاوت الناس في العبور، كان الفقراء أسرع الناس مرورًا: قال الله -تعالى-: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) (مريم:71-72)، وروى الإمام مسلم في صحيحه: أن يهوديًّا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: (فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ).

5- الفقراء أكثر أهل الجنة:

- لما كانوا في الدنيا محرومين مِن التملك والأملاك؛ قدَّمهم الله في تملك أعظم شيء في الممتلكات: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ إِلَّا أَصْحَابَ النَّارِ فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَحَاجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ  وَعَجَزُهُمْ، فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ مِلْؤُهَا) (متفق عليه).

6- الفقراء يسبقون الأغنياء في دخول الجنة:

- لما كانوا مؤخرين في الدنيا "في المساكن - المآكل والمشارب - المجالس - الدواب والركائب - ... " عوضهم الله في الآخرة، فكانوا إلى الجنة مِن السابقين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَدْخُلُ فُقَرَاءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَجْتَمِعُونَ  يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: أَيْنَ فُقَرَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ وَمَسَاكِينُهَا؟ قَالَ: فَيَقُومُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا عَمِلْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا ابْتَلَيْتَنَا فَصَبَرْنَا، وَآتَيْتَ الأَمْوَالَ وَالسُّلْطَانُ غَيْرَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: صَدَقْتُمْ، قَالَ: فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّاسِ، وَيَبْقَى شِدَّةُ الْحِسَابِ عَلَى ذَوِي الأَمْوَالِ وَالسُّلْطَانِ) (رواه الطبراني وابن حبان، وحسنه الألباني).

ختامًا أخي الفقير:

- تلك هي الفضائل بيْن يديك، تنالها بصبرك وطاعتك لربك، اصبر وأحسن وإن آلمك الفقر؛ فما عند الله لكَ خير عوض: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للفقراء: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ لَأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- اصبر أيها الفقير، فالموازين عند الله أعظم: عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: (مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟) قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: (مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟) قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا) (رواه البخاري).

وللفقير آداب وأسباب تعين على نيل هذه الفضائل! وهذا موضوع حديثنا في المرة القادمة -إن شاء الله-.