إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 29 يناير 2017 - 1 جمادى الأولى 1438هـ

وثيقة المدينة مع اليهود... ملامح ومعالم (5)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقالات السابقة الملمح الأول في وثيقة المدينة، وهي أنها كانت غير محددة المدة، وذكرنا الفرق بيْن العهد المطلَق والعهد المؤبد -الذي هو عقد الذمة- الذي يرتكز على ركنين أساسيين مستنبَطَيْن مِن الآية الكريمة: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)؛ فالأول هو: أداء الجزية عن يدٍ، وهي تؤخذ مِن الرجال البالغين العقلاء؛ لا تؤخذ مِن الصبيان ولا مِن النساء. والثاني: هو الصَّغار، قال البغوي والشافعي -رحمهما الله-: "الصَّغَار هو جرَيان أحكام الإسلام عليهم".

ونحن نتكلم في هذه المقالة عن الملمح الثاني في وثيقة المدينة، وهو "مسألة الجزية"، وقد ظنَّ بعضُ أهلِ العلم أن العهد المطلَق يقتضي تعطيلَ الجهاد وإسقاط الجزية، فقال بنسخ هذا النوع مِن العهود، وقد بَيَّنَّا عدم صحة ذلك؛ لأن العهد المطلق عهد جائز، وقد نقلنا عن ابن تيمية وابن القيم وابن حبيب مِن المالِكية وغيرهم جواز هذا النوع حسب مصلحة المسلمين، وقدرتهم وعجزهم، وقوتهم وضعفهم، ثم إن أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تتعارَض؛ فعَقدُه للعقد المؤقَّت -كالحديبية لعشرِ سنين- لا ينسخ العقد المطلَق -كعهد يهود المدينة ويهود خيبر-.

وأما الآيات التي تأمر بقتال المشركين وأهل الكتاب حتى يُعطوا الجزية، فرغم أنها متأخِّرة في التاريخ؛ إلا أن الجمع مُمْكِنٌ بيْن الأدلة، وكلام أهل العلم أن النسخ لا يُلجَأ إليه إلا مع إثبات التاريخ وعدم إمكان الجمع، وقد ذكرنا أن الجمع مُمْكِنٌ، وإن صرَّح بعض السلف بالنسخ؛ فإن هذه الأقوال لا يلزم منها إثبات النسخ الاصطلاحي -كما بَيَّنَّا مِن قبْل-.

فإذا كان الجمع مُمْكِنًا وجب إِعمالُ الدليلين، والجمع هنا مُمْكِنٌ بِجَعْلِ وحَمْلِ كلِّ دليلٍ على وقتٍ، وعلى حالٍ مختلِف عن الحال الآخر؛ فالرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يأخذ الجزية مِن يهود المدينة، ولا جرى لها ذكر في هذه المعاهدة ولا شك، وكذا لم يأخذها مِن يهود خيبر، وقد قال بعضُ أهلِ العلم: لأنها لم تكن نزلت، ولا شك أن الجزية كانت معلومة قبْل الإسلام وبعدَه، ولكن نزل إيجابها في سنة 9 في سورة براءة؛ إلا أن هذا الإيجاب كان بعد أن قَوِيَت الشَّوكة واشتد الجَناح وشُرِع جهادُ الطلَب، وحقيقة هذا القول النسخ لما قبله، وقد بَيَّنَّا ضَعْفَه.

وإذا كان أهل العلم قد قالوا عن نصوص الصبر والصفح والعفو عمن آذى الله ورسوله أنه يَعمل بها مَن كان مستضعفًا، وليست منسوخة، وقالوا إن المسلمين يجوز لهم أن يصالِحوا المشركين على مالٍ يدفعه المسلمون وإن كان صَغَارًا؛ لأنه لدفع صَغَارٍ أعظم منه؛ فبالأَوْلى القول بجواز العهود المُطلَقة التي لا يدفع الكفارُ فيها الجزية وكذا لا يدفع المسلمون.

وهذا الملمح الثاني مِن عهد المدينة مع اليهود، أنه لم يتضمن دفعهم لأي مالٍ للمسلمين؛ وهذا لأن مصلحة المسلمين في أول نشأة دولتهم كانت في تحقيق هذه المعاهدة.

وكذلك وهم في ظروفهم في عهود الاحتلال الأجنبي لبلادهم، والرحيل الشكليّ أو الجزئيّ أو الحقيقي لقُوّاتهم، لكن مع بقاء التأثير والتهديد الضخم لبلادِهم، ومازالت قوة بلاد المسلمين وجيوشهم -فضلًا عن جماعاتهم- أضعف بكثير من عَدُوِّهم، نقول: في ظروفهم هذه؛ هم أولى بالعمل بالنصوص المتقدِّمة التي عمل النبي -صلى الله عليه وسلم- بما تضمنته في أول دولة المسلمين بالمدينة.

ورُبّما كانت محاولة فرض الشروط العُمَرية على مَن يعيشون ببلاد المسلمين مِن الكفار -سواء كانوا أهلَ كتاب أو وثنيين- يكاد يجزم كلُّ عاقلٍ يعرِف الواقع أنه يترتب عليه تهديد استقلال بلادهم ووحدتها، ويمثل بقوة خطر تقسيمها، وربما زاد الأمر إلى القضاء على جيوشهم الوطنية، وقد وقع في بعض البلاد بأقل مِن ذلك كالعراق، وكذا القضاء على جماعات الدعوة والمقاومات الجهادية لمن يريد احتلال بلادهم.

ومَن تأمل في التاريخ الحديث للمسلمين في وثائق استقلال كثير مِن بلادهم التي كانت محتلة؛ وجد أنهم لم يكونوا يقدرون على رفع تأثير الأعداء الثقافي والسياسي والاقتصادي والقانوني، بل والعسكري المُمَثَّل في بقاء قوات الاحتلال في أجزاءٍ مِن البلاد في صورة قواعد عسكرية، فضلاً عن فرض الجزية على رعاياهم مِن غير المسلمين.

ولقد كانت أكبر مبررات احتلال البلاد الإسلامية من قِبَل الغرب نزاعات بيْن بعض المسلمين وبعض النصارى، تدخلت على إثرها القوات الأجنبية؛ بزعم حماية الأقلّيات، وكذا كانت البداية للتشريعات الغربية أن تجد طريقها إلى بلادنا مِن خلال هذه المنازعات، وحتى البلاد التي لم تُحتل -كمعظم الجزيرة العربية قبْل تكوين الدولة السعودية الحالية- احتاجت كذلك لعقد تفاهمات مع الدول الغربية بعد أن تكونت الدولة السعودية، كان أحسن شروطها السماح بتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، والتي لم يقدر المسلمون إلى الآن في غيرها مِن البلاد أن يصلوا إليه، رغم رغبة الشعوب الجارِفة في ذلك، وربما رغبة فريق مِن الحكام لذلك، ونص الدساتير الوطنية على ذلك، ولكنّ الرغبات شيء والواقع شيء آخر لا يزال متأخرًا عنه بكثير.

وبالتالي كانت الحاجة إلى مثل هذه التفاهمات أو المعاهدات، التي لم تتضمن فرض الجزية على مَن يقيمون إقامةً دائمة في البلاد، وكثير منهم لمصلحتها في تطوير شئونها وتحديث دولتها؛ فهذه الأمور لا بد أن تُوضع في الحسبان قبْل أن يتسرع البعض كبعض الجماعات الصدامية التي حَكَمت على كلِّ بلاد الإسلام بالكفر أو بأنها طائفة ممتنعة، بما في ذلك الدولة السعودية؛ لأجل عدم فرض الجزية، وغفل عن موازنة المصلحة والمفسدة، والقدرة والعجز في اختيار أي نوع مِن أنواع العهود التي تصلح للوقت والحال الذي فيه المسلمون.

وبالتأكيد إن الدول الإسلامية التي وقعت تحت الاحتلال المباشر كانت شروط رحيل القوات الأجنبية عنها أشد مِن مجرد ترك فرض الجزية.

ومع الإجماع على وجوب فرض الجزية ومشروعيتها، وليست كما يقول البعض إنها في ذمة التاريخ! وإنه انتهى زمن تشريعها، مع أن النصوص النبوية المُتلَقّاة بالقبول في الصحيحين وغيرهما، أن زمن تشريع الجزية إنما ينتهي بنزول المسيح -عليه الصلاة والسلام- كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ) (متفق عليه)، وآية الجزية آية في القرآن العظيم، وثابتة في السُّنة المُتلَقّاة بالقبول، وعمل الخلفاء الراشدين، وقول العلماء كافة.

نقول: مع هذا لا بد لنا مِن توصيف واقعنا بطريقة شرعية، لا أن نفرض على شبيبة المسلمين ورجالهم ومجتمعاتهم ما يؤدي إلى اصطِلامهم أو تدمير بلادهم، وكذلك لا يجوز أن نتركهم حتى يتغيَّر اعتقادُهم في لزوم نصوص الكتاب والسُنّة لهم.

هذا التوصيف قائمٌ على فهم أنواع العهود التي نتكلم عنها ومعالمها، مع بقاء الأنواع الأخرى مشروعة قطعًا؛ فالجزية أحد الخيارات التي تعامَل بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته والمسلمون مِن بعده في ظروف كان يمكنهم فيها ذلك، ولم يترتب -ولا كان يترتب- عليها مفاسد، بل كلها مصالح ومنافع للحفاظ على الدين وانتشاره، وتبقى أيضًا أنواع العهود الأخرى باقية يعمل المسلمون بما يناسبهم بشرط الإخلاص في النية، وأن تكون لمصلحة المسلمين ونصيحتهم لا لمصلحة أعدائهم ونصيحتهم؛ فهذا هو الفارق الحقيقي بيْن الخيانة والموالاة للأعداء والعَمَالَة، وبيْن النصح للمسلمين برعاية الموازنات واختيار الأنسب لحالهم مِن سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهَدْيِه العظيم.