إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 19 يناير 2017 - 21 ربيع الثاني 1438هـ

ذكرى وإعجاز

كتبه/ جابر عبد الوهاب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن كتاب الله -تبارك وتعالى- هو حياة القلوب، وإن الإنصات إلى القرآن وتلاوته، والعمل بما فيه، وتدبُر معانيه، والتحاكم إليه؛ هو جنة الدنيا التي مَن لم يدخلها ويحلـِّق فيها، ويستمتع بها، ويقتطف مِن ثمارها؛ فقل لي: كيف يدخل جنة الآخرة؟!

ونحن في هذه الآونة الأخيرة مع كثرة الأحداث المتلاحقة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، إلخ، نحتاج إلى جَرعة إيمانية توقظ هممنا، ونسترد منها عافيتنا القلبية؛ كي نستطيع مواصلة السير في سبيل الإصلاح، وتحمُّل مشاق الدعوة ومتطلباتها، ولم أجد لذلك سبيلاً إلا أن نمتع أبصارنا، ونشفي أسماعنا، ونجلي أفئدتنا بآياتٍ مباركاتٍ كريماتٍ مِن كلام الله -عز وجل-.

قال الله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر:27-28).

يا لروعة القرآن، ويا لجمال وجلال، وكمال كتاب الله -تبارك وتعالى-!

إنه تنزيل مِن حكيمٍ حميد، عليمٍ قدير، بر رحيم، غفور ودود، علي عظيم.

يقول العلامة السعدي -رحمه الله-: "يذكر -تعالى- خلقه للأشياء المتضادات التي أصلها واحد، ومادتها واحدة، وفيها مِن التفاوت، والفرق ما هو مشاهد معروف؛ ليدل العباد على كمال قدرته وبديع حكمته.

فمِن ذلك: أن اللّه -تعالى- أنزل مِن السماء ماءً فأخرج به مِن الثمرات المختلفات، والنباتات المتنوعات، ما هو مشاهد للناظرين، والماء واحد، والأرض واحدة.

ومِن ذلك: الجبال التي جعلها اللّه أوتادًا للأرض، تجدها جبالاً مشتبكة، بل جبلاً واحدًا، وفيها ألوان متعددة، فيها جدد بيض، أي: طرائق بيض، وفيها طرائق صفر وحمر، وفيها غرابيب سود، أي: شديدة السواد جدًّا.

ومِن ذلك: الناس والدواب والأنعام، فيها مِن اختلاف الألوان والأوصاف والأصوات -واللغات- والهيئات، ما هو مرئي بالأبصار، مشهود للنظار، والكل مِن أصل واحد، ومادة واحدة... " إلى أن انتهى -رحمه الله- إلى تفسير قول الله -تعالى-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فقال: "فكل مَن كان باللّه أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية اللّه الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء مَن يخشاه" (انتهى باختصار مِن تيسير الكريم الرحمن).

إعجاز مُبهر:

لقاء ممتع بيْن عناية الله المشرقي الهندي -رحمه الله- والعالم الفلكي المشهور "السير جيمس جينز"، ولندع العلامة عناية الله -رحمه الله- يحكي لنا قصة هذا اللقاء.

يقول -رحمه الله-: "كان ذلك يوم أحد، مِن أيام سنة 1909، وكانت السماء تمطر بغزارة، وخرجتُ مِن بيتي لقضاء حاجة ما، فإذا بي أرى الفلكي الشهير السير جيمس جينز -الأستاذ بجامعة كمبردج- ذاهبًا إلى الكنيسة، والإنجيل والشمسية تحت إبطه؛ فدنوتُ منه، وسلمتُ عليه، فلم يرد السلام، فسلمتُ عليه مرة أخرى، فسألني: ماذا تريد منى؟ فقلتُ له: أمرين!

الأول هو: أن شمسيتك تحت إبطك رغم شدة المطر! فابتسم السير جيمس وفتح الشمسية على الفور، فقلتُ له: وأما الأمر الآخر فهو: ما الذي يدفع رجلاً ذائع الصيت مثلك في العالم أن يتوجه إلى الكنيسة؟ وأمام هذا السؤال توقف السير جيمس لحظة، ثم قال: عليك اليوم أن تأخذ شاي المساء عندي.

وعندما وصلتُ إلى داره في المساء، خرجت (ليدي جيمس) في تمام الساعة الرابعة بالضبط، وأخبرتني أن السير جيمس ينتظرني، وعندما دخلت عليه في غرفته، وجدت أمامه منضدة صغيرة موضوعة عليها أدوات الشاي، وكان البروفيسور منهمكًا في أفكاره، وعندما شعر بوجودي سألني: ماذا كان سؤالك؟ ودون أن ينتظر ردي؛ بدأ يلقي محاضرة عن تكوين الأجرام السماوية، ونظامها المدهش، وأبعادها وفواصلها اللا متناهية، وطرقها، ومداراتها وجاذبيتها، وطوفان أنوارها المذهلة، حتى إني شعرت بقلبي يهتز بهيبة الله وجلاله!

وأما (السير جيمس) فوجدتُ شعر رأسه قائمًا، والدموع تنهمر مِن عينيه، ويداه ترتعدان مِن خشية الله! وتوقف فجأة، ثم بدأ يقول: يا عناية الله، عندما ألقي نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش مِن الجلال الإلهي، وعندما أركع أمام الله وأقول له: إنك لعظيم! أجد أن كل جزءٍ مِن كياني يؤيدني في هذا الدعاء، وأشعر بسكون وسعادة عظيمين، وأحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة! أفهمتَ يا عناية الله خان، لماذا أذهب إلى الكنيسة؟!

ويضيف العلامة عناية الله قائلاً: لقد أحدثتْ هذه المحاضرة طوفانًا في عقلي، وقلتُ له: لقد تأثرتُ جدًّا بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي، وتذكرتُ بهذه المناسبة آية مِن آي كتابي المقدس -يقصد القرآن- فلو سمحتم لي بقراءتها عليكم، فهز رأسه قائلاً: بكل سرور، فقرأتُ عليه الآية التالية: (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ).

فصرخ "السير جميس" قائلاً: ماذا قلتَ؟! (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)! مدهش، وغريب! وعجيب جدًّا! إنه الأمر الذي كشفت عنه بعد دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة، مَن أنبأ محمدًا به؟! هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة؟! لو كان الأمر كذلك؛ فاكتب شهادة مني أن القرآن كتاب موحى مِن عند الله.

ويستطرد السير جيمس جينز قائلاً: لقد كان محمدًا أميًّا، ولا يمكنه أن يكشف عن هذا السر بنفسه، ولكن الله هو الذي أخبره بهذا السر... مدهش! وغريب، وعجيب جدًّا!" (نقلاً مِن كتاب الإسلام يتحدى، لوحيد الدين خان).

فهذا الرجل لم يَملك إلا أن يُقر بعظمة القرآن، وأنه مِن عند الله -وهذا يستلزم الإقرار بكل ما جاء به القرآن مِن التوحيد وغيره- ما دام أنه أخبر بهذه الحقيقة التي استشعرها مِن خشية الله وتعظيمه؛ فكل عالم "ولو كان في علوم الدنيا" اهتدى -بفضل الله- إلى توحيد الله؛ فإنه ممن قال الله فيهم: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).

هذا هو القرآن الذي لا نعيره كبير اهتمام، وتأمل وتدبر!

وهذا غيض مِن فيض؛ وإلا فكتاب الله مليء بهذه الإبهارات والإعجازات!

إن القرآن ظلَّ وسيظل يتحدى؛ تحدى الماضي فقهره، وتحدى الحاضر فخذله، وسوف يقف المستقبل أمامه مكتوف الأيدي؛ إذ يبهره علاه، ويغمره سناه، وصدق الله -تعالى- إذ قال: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت:53).

وصلى الله على محمدٍ، وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.