إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 16 يناير 2017 - 18 ربيع الثاني 1438هـ

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (9) الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا ونحن نتأمل حال الثورات عبْر مراحل التاريخ الإسلامي نعرض المآخذ التي أخذها المجرمون الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ونبيِّن الرد عليها.

فمِن هذه المآخذ:

قالوا: وكتب مع عبده على جمله كتابًا إلى ابن أبي سرح في قتل مَن ذُكر فيه!

وهذا أيضًا مِن المناكير والأباطيل!

لقد ثار أهل الكوفة على سعيد بن العاص والي عثمان -رضي الله عنه- على الكوفة، فذهب سعيد بن العاص إلى عثمان -رضي الله عنه- وأخبره خبر القوم، فقال له عثمان: ماذا يريدون؟ هل خلعوا يدًا مِن طاعة؟ وهل خرجوا على الخليفة وأعلنوا عدم طاعتهم له؟ قال له سعيد: لا، لقد أظهروا أنهم لا يريدونني واليًا عليهم، ويريدون واليًا آخر مكاني. قال له عثمان: مَن يريدون واليًا؟ قال سعيد بن العاص: يريدون أبا موسى الأشعري. قال عثمان: قد عينا وأثبتنا أبا موسى واليًا عليهم، والله لن نجعل لأحدٍ عذرًا، ولن نترك لأحدٍ حجة، ولنصبرن عليهم كما هو مطلوب منا، حتى نعرف حقيقة ما يريدون. وكتب عثمان إلى أبي موسى بتعيينه واليًا على الكوفة.

قام أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- بتهدئة الأمور، ونهى الناس عن العصيان، وقال لهم: أيها الناس، لا تخرجوا في مثل هذه المخالفة، ولا تعودوا لمثل هذا العصيان؛ الزموا جماعتكم والطاعة، وإياكم والعجلة، اصبروا فكأنكم بأمير. فقالوا: فصلِّ بنا، قال: لا، إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان، قالوا: على السمع والطاعة لعثمان.

وكتب عثمان بن عفان إلى الخارجين مِن أهل الكوفة كتابًا يبين فيه الحكمة مِن استجابته لطلبهم في عزل سعيد وتعيين أبي موسى بدله، وهي رسالة ذات دلالاتٍ هامة، وتبيِّن طريقة عثمان -رضي الله عنه- في مواجهة هذه الفتن، ومحاولته تأجيل اشتعالها ما استطاع، مع علمه اليقيني أنها قادمة، وأنه عاجز عن مواجهتها، فهذا ما علمه مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال لهم عثمان في رسالته: "أما بعد، فقد أمَّرت عليكم مَن اخترتم، وأعفيتكم مِن سعيد، والله لأفرشن لكم عرضي، ولأبذلن لكم صبري، ولأستصلحنكم بجهدي، واسألوني كل ما أحببتم مما لا يُعصى الله فيه، فسأعطيه لكم، ولا شيئًا كرهتموه لا يُعصى الله فيه إلا استعفيتم منه، أنزل فيه عند ما أحببتم حتى لا يكون لكم عليَّ حجة"، وكتب بمثل ذلك في الأمصار -رضي الله عن أمير المؤمنين عثمان-، ما أصلحه، وأوسع صدره، وكم ظلمه السبئيون والخارجون والحاقدون، وكذبوا وافتروا عليه، ثم جاءت فرق المصريين، فقالوا لعثمان: ادع بالمصحف فدعا به، فقالوا: افتح السابعة، وكانوا يسمون سورة يونس بالسابعة، فقرأ حتى أتى هذه الآية: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (يونس:59).

فقالوا له: قف أرأيت ما حميت مِن الحمى؟ الله أذن لكَ أم على الله تفتري؟ فقال: نزلتْ في كذا وكذا؛ فأما الحمى، فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليتُ زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد مِن إبل الصدقة، ثم فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: نزلتْ في كذا فما يزيدون، فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه شرطـًا، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين، وبعد هذا الصلح وعودة أهل الأمصار جميعًا راضين تبين لمشعلي الفتنة أن خطتهم قد فشلتْ، وأن أهدافهم الدنيئة لم تتحقق؛ لذا خططوا تخطيطـًا آخر يشعل الفتنة ويحييها، وزوروا كتابًا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-.

ففي أثناء طريق عودة أهل مصر، رأوا راكبًا على جمل يتعرض لهم، ويفارقهم يُظهر أنه هارب منهم ، فقبضوا عليه، وقالوا له: ما لك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله  بمصر عبد الله بن أبي السرح، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان -رضي الله عنه- وعليه خاتمه إلى عامله، ففتحوا الكتاب فإذا فيه أمر بصلبهم أو قتلهم، أو تقطيع أيديهم وأرجلهم، فرجعوا إلى المدينة حتى وصلوها، ونفى عثمان -رضي الله عنه- أن يكون كتب هذا الكتاب، وقال لهم: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين مِن المسلمين أو يمين بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبتُ ولا أمللتُ، ولا علمتُ، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم، فلم يصدقوه، وقد أقسم لهم عثمان بأنه ما كتب هذا الكتاب!

- قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وأما تعلقهم بأن الكتاب وُجد مع راكب، أو مع غلامه -ولم يقل أحدٌ قط إنه كان غلامه- إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح يأمره بقتل حامليه، فقد قال لهم عثمان: إما أن تقيموا شاهدين على ذلك، وإلا فيميني أني ما كتبتُ ولا أمرتُ، وقد يكتب على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه".

- قال محب الدين الخطيب -رحمه الله- في مسألة الغلام: "وإنما قالوا إنه غلام الصدقة، أي أحد رعاة إبل الصدقة، وإبل الصدقة ألوف كثيرة لها مئات مِن الرعاة، وإن صح أنه مِن رعاة إبل الصدقة؛ فهؤلاء لكثرتهم وتبدلهم دائمًا بغيرهم لا يكاد يعرفهم رؤساؤهم فضلاً عن أن يعرفهم أمير المؤمنين وكبار عماله وأعوانه، ومع افتراض أنه مِن رعاة إبل الصدقة فما أيسر أن يستأجره هؤلاء البغاة لغرضٍ مِن أغراضهم، وكيف يكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقد أذن له بالمجيء إلى المدينة ويعلم أنه خرج مِن مصر، وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة، ومضمون الكتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه، بل لقد ذكروا عن محمد بن أبي حذيفة ربيب عثمان الآبق مِن نعمته أنه كان في نفس ذلك الوقت موجودًا في مصر يؤلب الناس على أمير المؤمنين ويزور الكتب على لسان أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويأخذ الرواحل فيضمرها ويجعل رجالاً على ظهور البيوت في الفسطاط ووجوههم إلى وجه الشمس لتلوح وجوههم تلويح المسافر ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق الحجاز بمصر ثم يرسلوا رسلاً يخبرون عنهم الناس ليستقبلوهم، فإذا لقوهم قالوا إنهم يحملون كتبًا مِن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الشكوى مِن حكم عثمان، وتُتلى هذه الكتب في جامع عمرو بالفسطاط على ملأ الناس وهي مكذوبة مزورة، وحملتها كانوا في مصر ولم يذهبوا إلى الحجاز!".

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السُّنة: "كل ذي علم بحال عثمان يَعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر، ولا أمثاله، ولا عُرف منه قط أنه قتل أحدًا مِن هذا الضرب، وقد سعوا في قتله -أي في قتل أمير المؤمنين عثمان-، ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا يأمر بقتالهم دفعًا عن نفسه؛ فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم" اهـ.

هذا وقد زور المجرمون كتبًا أخرى على وعائشة وطلحة والزبير -رضي الله عنهم-، وهذا الكتاب الذي زعم هؤلاء المتمردون البغاة المنحرفون أنه مِن عثمان، وعليه خاتمه إلى عامله بمصر ابن أبي السرح، يأمر فيه بقتل هؤلاء الخارجين هو كتاب مزور مكذوب على لسان عثمان -رضي الله عنه-، وبهذا نكون قد استعرضنا التهم والمطاعن والمناكير التي ذكرها الثوار المجرمون، وكانت النهاية خروج ثورة ظالمة على ذي النورين -رضي الله عنه-.