إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 07 يناير 2017 - 9 ربيع الثاني 1438هـ

وثيقة المدينة مع اليهود... ملامح ومعالم (2)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كانت مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية الأولى بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نقطة عظيمة الأهمية في تاريخ الإسلام؛ فلم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعامل فيها بوصف النبوّة فقط، بل كان يتعامل بصفته رئيسًا للدولة وقائدًا لها، سواء بيْن المسلمين، أو بيْن المسلمين واليهود، أو غيرهم، كما جاء في الوثيقة: "وإنه ما كان بيْن أهل هذه الصحيفة من حدَثٍ أو اشتجارٍ يُخاف فساده؛ فإن مردّه إلى الله -عز وجل- وإلى محمدٍ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-" (انتهى).

ورغم أن المعاهدة مع اليهود أعطتهم مساحة واسعة مِن الوجود -كما سيأتي-؛ إلا أن هذا النص يؤكد دخولَهم ضمن الدولة المُسلِمة برياسة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصفته حاكمًا.

ويُلاحَظ مِن معالم هذا الصلح مع اليهود أمور نلخصها فيما يلي:

الأول: هذا الصلح لم يكن مُحَدَّد المُدّة، وذلك يكاد يكون مستفيضًا بلا نزاع في جميع كتب السيرة والأحاديث التي تدل على ذلك، بعدم التعرُّض لذكر مُدّة في هذه الوثيقة.

وهذا النوع مِن العهود هو أول نوع عَقَده الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ووفّى به إلى أن نقَضَه اليهودُ، قبيلةً بعد قبيلة، وفئةً بعد فئة، كان أولهم نقضًا له "بنو قينقاع ثم النضير ثم قريظة" -كما هو معلوم في السيرة-.

والقرآن قد دلّ على هذا النوع مِن العهود، وقد ظلت بعضُ أنواعِه باقيةً إلى ذي الحجة سنة 9 مِن الهجرة، عندما نزل صدر سورة "براءة" وأرسل بها النبي -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب في حجة أبي بكر -رضي الله عنه- سنة 9، لتتلى على الناس في المَوسم، وأول آيات فيها: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ . وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:1-4).

والآية الأولى تضمنت إنهاء هذا النوع المطلَق مِن المعاهدات؛ لأنه أمهَلَ أصحابه أربعة أشهر مِن يوم الحج الأكبر "يوم النحر" سنة 9 مِن الهجرة، تنتهي في العاشر مِن ربيع الثاني سنة 10 مِن الهجرة؛ وذلك لأن العهد المحدد المدة ذكَرَه الله -عزّ وجلّ- في قوله: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، فهي صريحةٌ في لزوم الوفاء بالعهد المؤقت لآخر المدة طالما وفَّى به المشركون؛ فدل ذلك على أنه لم يُنسخ.

هل كانت سورة براءة "وآية السيف فيها" ناسخةً لمشروعية عقد هذه العهود مِن أصلها؟ أم منهية للموجود -وقت نزولها- منها، وإعلامٌ للمشركين مِن كل الطوائف بإلغاء هذه المعاهدة؛ إلا ما استثناه الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما سيأتي؟

لا شك أن كثيرًا مِن السلف صرّح بأن آية السيف ناسخة لكل موادَعة ومعاهَدة.

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (الأنفال:61): "قال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخرساني وعكرمة والحسن وقتادة: إن الآية منسوخة بآية السيف في براءة (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)، وفيه نظر؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك؛ فأما إذا كان العدو كثيفـًا فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية؛ فلا منافاة، ولا نسخ، ولا تخصيص. والله أعلم" (تفسير ابن كثير بتصرف يسير).

وفي الحقيقة أنه نوع مِن التخصيص بحالٍ دون حال، ووقتٍ دون وقت، حسب المصلحة وقوة المسلمين.

ومما يؤكد أن السلف الذين صرَّحوا بالنسخ لم يقصدوا النسخ الاصطلاحي الذي يقتضي عدم جواز إنشاء هذه العقود في أي وقتٍ وحالٍ: أن سورة "براءة" نزلتْ والرسول -صلى الله عليه وسلم- قد صالَح يهود خيبر -بعد فتحها- على البقاء فيها ما شاء الله، وفي رواية: "ما شئنا"، وهو عهد مطلق غير محدد المدة كما هو واضح، ولم يبادِر رسول الله -صلى الله عليهم وسلم- إلى إخراجهم مباشرة بعد نزول "براءة"، ولم يتكلم السلف في منع ذلك، وتأخر إخراجهم مِن خيبر إلى عهد عمر -رضي الله عنه-، ولو كان النسخ الاصطلاحي هو المقصود لما استمر هذا الصلح، وإنما نزلت سورة "براءة" في آياتها الأولى بإنهاء وإلغاء المعاهدات المطلقة القائمة مع المشركين إلا ما أبقاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كيهود خيبر؛ فهي إذن لا تَمنع إنشاء مثل هذه العقود ابتداءً عند الحاجة إليها، وإنما تُنْهِيها وتُعْلِم الكفار بانتهائها، كما قال -عز وجل-: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال:58)، أي أعلمهم بإنهاء العهد وإلغائه حتى تكونوا أنتم وهم على سواء في العلم بإلغاء العهد، وإلا كان خيانة وغدرًا.

ويؤكد هذا أن مَن قال بالنسخ مِن السلف قال: "إن آية السلف نسخت كل موادَعة ومصالَحة"، ومعلوم أن عامة العلماء على مشروعية الهدنة المؤقتة لعشر سنين، وخلافهم فيما زاد عليها، مع أن المانعين مِن الزيادة لا يمنعون منها أو مِن الصلح المطلق عند الحاجة إلى ذلك؛ هذا يدل على أنه لم يقصدوا النسخ الاصطلاحي.

قال القرطبي -رحمه الله-: "قال ابن العربي: قد قال الله -تعالى-: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ) (محمد:35)، فإذا كان المسلمون على عِزّةٍ ومَنَعة وجماعة عديدة وشِدّةٍ شديدة فلا صُلْح، وإن كان للمسلمين مصلحةٌ في الصلح لِنَفْعٍ يجتلبونه أو ضررٍ يدفعونه فلا بأس أن يبتدئ المسلمون إذا احتاجوا إليه، وقد صالَحَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهلَ خَيْبَر على شروطٍ نقَضوها فنقَض صُلحَهم (يعني قبل فتح خَيْبَر)، وقد صالَح الضمريّ وأكيدر دومة وأهل نجران، وقد هادن قريشًا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده، ومازالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة... وقال الشافعي -رحمه الله-: "لا تجوز مهادنة المشركين أكثر مِن عشر سنين على ما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية، فإن هودِن المشركون أكثر مِن ذلك فهي منتَقَضة؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية". وقال ابن حبيب من المالكية: "تجوز مهادنتهم السنَةَ والسنتين والثلاث، وإلى غير مُدّة" (تفسير القرطبي باختصار).

مع أن هذا النقل عن الشافعي -رحمه الله- في عدم الجواز على الزيادة على عشر سنين، يوضحه ما نقله ابن حجر -رحمه الله- عنه، مِن أن ذلك إنما هو في حالٍ دون حال، ووقتٍ دون وقت.

قال ابن حجر -رحمه الله- في "الفتح" (7/ 198): "قال الشافعي: إِذَا ضَعُفَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ جَازَتْ لَهُمْ مُهَادَنَتُهُمْ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ يُعْطُونَهُمْ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لِلْمُسْلِمِينَ شَهَادَةٌ، وَإِنَّ الْإِسْلَامَ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُعْطَى الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْ يُكَفُّوا عَنْهُمْ إِلَّا فِي حَالَةِ مَخَافَةِ اصْطِلَامِ الْمُسْلِمِينَ لِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الضَّرُورَاتِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أُسِرَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَلَمْ يُطْلَقْ إِلَّا بِفِدْيَةٍ جَازَ".

ومثل هذا أيضًا ما ذكره ابن قدامة -رحمه الله- حيث قال في "المُغْني" في الجزء الـ8 (459-461): "لا يجوز المهادنة مطلقًا مِن غير تقدير مدة؛ لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية". قال: "وتجوز مهادنتهم على غير مالٍ، وأما إن صالَحَهم على مالٍ نبذُلُه لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه، وهو مذهب الشافعي؛ لأن فيه صَغَارًا على المسلمين، وهذا محمول على غير حالة الضرورة، فأما إذا دعت إليه الضرورة -وهو أن يُخاف على المسلمين الهلاك أو الأَسْر- فيجوز؛ ولأن بذل المال وإن كان فيه صَغَارٌ فإنه يجوز تحمُّله لدفع صَغَارٍ أعظم منه، وهو القتل والأَسْر وسبي الذُرّية الذين يفضي سَبيُهم إلى كُفرهم".

قال الشيباني في السِّيَر الكبير (16/92): "وإذا خاف المسلمون المشركين فطلبوا موادَعَتهم، فأبى المشركون أن يوادعوهم حتى يعطيهم المسلمون على ذلك مالاً؛ فلا بأس بذلك عند تحقّق الضرورة".

إذا تبين لكَ ذلك علمتَ بجلاء أنه إذا كانت أقوال العلماء في المستضعف أنه يعمل بآيات الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله مِن الذين أوتوا الكتاب والمشركين، أن هذه الآيات ليست منسوخة في حقه وحاله؛ فبالأَولى آيات المعاهدة والمصالحات -المُطْلَقة منها والمُقَدَّرة بمُدّة- فهي ليست منسوخة، بل مخصّصة بأوقاتٍ وأحوالٍ تكون المصلحة فيها كذلك.

والقدرة والعجز، والقوة والضعف، موازين لم يأتِ الشرع قط بإلغائها، مع الانتباه إلى أن العهود المطلقة عقودٌ جائزة، خلافَ عقد الذمة فإنه عقدٌ مُؤَبَّد، أي متوارثٌ مِن جيل إلى جيل مِن أجيال الكفار، لا يَحِل للمسلمين إلغاؤه، طالما بذل الكفار شروطه والتزموا بها، وأن ما ذكره العلماء المانعون مِن العهد المطلَق إنما قصدوا به المؤَبَّد، رغم أنهم يجيزونه، وأسوأ منه عند الحاجة كما ذكرنا، يوضح ذلك أن العِلّة التي ذكروها مِن أنه يؤدي إلى ترك الجهاد بالكلية إنما قصدوا به العقد المؤبد اللازم الذي لا يجوز إنهاؤه بحال إلى نزول عيسى -صلى الله عليه وسلم- الذي يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية كما ثبت في الحديث المتفق على صحته، فهو الذي يُنهي تشريع عقد الذمة، فلا يقبل الجزية، أما العقد الجائز كعهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مع يهود المدينة، وعهده مع يهود خيبر قبْل فتحها ثم عهده مع مَن بقي منهم بعد فتحها؛ فهو لم يلزم -ولا يلزم- منه ترك الجهاد بالكلية. والله أعلم.

هذا هو الملمح الأول في وثيقة المدينة، وهو أن العهد كان غير محدَّد المدة، والصواب جواز إنشاء هذه العقود عند الحاجة إلى ذلك، كما فعل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.