إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 27 أكتوبر 2016 - 26 محرم 1438هـ

الاستقامة على الطاعة بعد رمضان

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الله -عز وجل- لم يجعل نهاية وحدًّا لطاعة العبد وعبادته لربه إلا انتهاء عمره وانقضاء أجله؛ قال الله -تعالى-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99)، وقال -سبحانه- على لسان عيسى -عليه السلام-: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) (مريم:31).

وشأن المؤمن أنه مستقيم دومًا على طاعة ربه في كل حال وفي كل وقت؛ قيل لبِشر الحافي -رحمه الله-: "إن أناسًا يتعبدون في رمضان ويجتهدون فيه، فإذا انسلخ رمضان تركوا ذلك!"، فقال: "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان!".

وشأن المؤمن أنه لا يغتر بالمتكاسلين عن طاعة الله والمفرِّطين ولو كانوا كثرة، فإن الأسوة إنما تكون في الخير وليس في الشر، والعبرة بموافقة شرع الله -تعالى-؛ قال الله -عز وجل-: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (الأنعام:116).

وقال وهب بن مُنَبِّه -رحمه الله-: "مَرَّ رَجُلٌ عَابِدٌ عَلَى رَجُلٍ عَابِدٍ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ فُلانٍ، أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْ عِبَادَتِهِ وَمَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا، فَقَالَ بِعَجَلٍ: لا تَعْجَبْ مِمَّنْ تَمِيلُ بِهِ الدُّنْيَا، وَلَكِنِ اعْجَبْ مِمَّنِ اسْتَقَامَ" (حلية الأولياء).

وقال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: "إذَا رَأَيْتُمْ الْيَوْم شَيْئًا مُسْتَوِيًا فَتَعَجَّبُوا".

وقال بعض السلف: "ليس العجب ممن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا".

والاستقامة هي لزوم طاعة الله -تعالى-، وقد أمر الله بها صفوة خلقه وعباده، فقال لنبيين ورسولين من رسله الكرام موسى وهارون -عليهما السلام-: (فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (يونس:89)، وأمر بها نبيه محمدًا كما في قوله -تعالى-: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (الشورى:15).

وكذلك أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بها وحض عليها: فعن سمرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاةَ، وحُجُّوا واعْتَمِرُوا، واسْتَقِيمُوا يُستَقَم بِكُمْ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

وعن سفيان بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ قُلْ لِي في الإِسلامِ قَولاً لاَ أَسْأَلُ عنْه أَحداً غيْركَ. قَالَ: (قُلْ: آمَنْت باللَّهِ: ثُمَّ اسْتَقِمْ) (رواه مسلم).   

وفي قول الله -تعالى-: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ... ) قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في جميع القرآن آية كانت أَشَدُّ وَلا أَشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ"؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قيل له: قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ: (شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا) (رواه الترمذي والطبراني، وصححه الألباني).  

مِن ثمرات الاستقامة:

- سعة الرزق: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن:16).

- الرفعة في الدنيا قبل الآخرة: قيل لابن المبارك -رحمه الله-: "ابن عون بمَ ارتفع؟!" قال: "بالاستقامة!".

مِن أسباب تحصيل الاستقامة:

- الدعاء والتضرع إلى الله كما علمنا -سبحانه- أن ندعوه في ركعة مِن ركعات الصلاة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فعلى العبد أن يعلم أنه لا غنى له عن توفيق الله طرفة عين أبدًا، وأن قلبه ليس بيده وإنما القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها -سبحانه- كيف يشاء، قال مُطَرِّفٌ بن عبد الله -رحمه الله-: "لَوْ أُخْرِجَ قَلْبِي فَجُعِلَ فِي يَسَارِي وَجِيْءَ بِالخَيْرِ فَجُعِلَ فِي يَمِيْنِي مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أُوْلِجَ قَلْبِي مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَكُوْنَ اللهُ يَضَعُهُ" (سير أعلام النبلاء).

- صحبة الأخيار والصالحين، والابتعاد عن الأشرار والفاسدين: فقد أمر الله صفوة الخلق -صلى الله عليه وسلم- بأن يحبس نفسه مع الرفقة الصالحة رغم أنه أفضل منهم، وأعظم منهم قدرًا وشأنًا؛ فأنزل الله عليه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف:28).

نسأل الله -تعالى- أن يرزقنا الاستقامة على طاعته وعبادته، وأن يهدينا إليه صراطا مستقيمًا.

وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.