إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 28 ديسمبر 2016 - 29 ربيع الأول 1438هـ

عقوق الوالدين: "مخاطره وعواقبه" (موعظة الأسبوع) (2)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض من الخطبة:

- استكمال ومواصلة الحديث حول وصايا لقمان -عليه السلام- لابنه.

المقدمة:

- التذكير باختصار بما سبق في الخطبة الماضية حول مكانة الوالدين.

- التنبيه على بدعية ما يُسمى بـ"عيد الأم"، وأن حديثنا وقع اتفاقًا لا قصدًا؛ نظرًا لاتصاله بوصايا لقمان -عليه السلام-.

- جاء دورك في الوفاء للوالدين، فأنت إلى قوة واستطاعة وهما إلى الكبر والضعف: قال الله -تعالى-: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) (الإسراء:23)، وقال -تعالى-: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ) (الرحمن:60).

- الإشارة إلى أن بعض الناس سلك مسلك الجحود والإنكار، ونسي أمر الله بالإحسان إليهما، ووقع في العقوق: قال الله -تعالى-: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ . أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) (الأحقاف:17-18).

1- تحريم العقوق:

- الحد الأدنى للعقوق "إظهار التأفف": قال الله -تعالى-: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ) (الإسراء:23).

- العقوق مقرون بالشرك، كما أن البر مقرون بالتوحيد: عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ) (رواه البخاري).

- العقوق من أكبر الكبائر: عن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟) ثَلاثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (الإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، وَقَالَ: (أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ)، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ! (متفق عليه).

2- من مظاهر العقوق:

1- تحزينهما وإتعابهما والتعالي عليهما: "التأفف والعبوس - عيب طعام الأم - أمرها بالكنس والتنظيف وترك المعاونة - الاستخفاف بهما - ترك الاستئذان حال الدخول عليهما - إثارة المشاكل مع إخوته أو زوجته في حضورهما - كل ما سبب لهما الحزن والمشقة". قال الله -تعالى-: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) (الإسراء:23)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا) (رواه مسلم). وقال عروة بن الزبير -رحمه الله-: "مَا بَرَّ وَالِدَهُ مَنْ شَدَّ الطَّرْفَ إِلَيْهِ" (السير 4/ 433).

2- إدخال المنكرات بيتهما بما يجعلهما في محل مسئولية عند الله: قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه: أحفظ أَمْ ضَيَّعَ حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بيته) (رواه ابن حبان، وحسنه الألباني).

3- التخلي عنهما وقت الحاجة والعجز أو التقتير عليهما "فأين رد الجميل؟!": قال الله -تعالى-: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ) (الرحمن:60)، وقال -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي شكي والده في أخذ المال منه: (أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ) (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، و صححه الألباني).

صورة من العقوق حول ذلك: "هذه الصورة المكرورة: الأم التي ماتت في بيتها، ولم يعلم بها أحد من أولادها إلا بعد أيام لما دخلوا البيت لقلة زيارتها!".

4- التسبب في شتمها أو لعنها: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: (نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ) (متفق عليه).

5- إيثار الزوجة والأولاد عليهما: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: (أُمُّكَ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ أُمُّكَ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ أُمُّكَ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ أَبُوكَ) (متفق عليه).

صورة من العقوق حول ذلك: جاء في كتاب: "بر الوالدين آداب وأحكام لخالد الخراز": "أن أمًّا وابنها عاشا حياتهما بكل ظروفها حلوها ومرها، وشب الولد وهو في بيت أمه تنظر إليه بكل شوق وسرور ولهفة، وتتمنى له الخير، وبعد أن بلغ سن الزواج أخذت الأم تبحث له عن زوجة جميلة من أسرة طيبة، ولا تدري المسكينة ما تخفي لها الأقدار، وتزوج الولد وفرحت الأم، وما هي إلا أيام حتى كشرت الزوجة عن أنيابها، وأخذت تحشو ذهن زوجها بضرورة إيداع أمه في دار المسنين بحجة أنها كبيرة مسنة، وحاول الابن جاهدًا أن يثنيها عن رأيها، ولكنها أصرت!

وبقلب من حجر وجماد من لحم، ذهب بها إلى دار رعاية المسنين، وهناك أجلسها على كرسي بجوار العيادة بحجة الكشف عن صحتها، وقال لها العاق: اجلسي هنا على هذا المقعد لتدخلي إلى الطبيب، ثم تركها هاربًا إلى زوجته الفاضلة! ومضت الساعات والأم جالسة في انتظاره، ولكنها عبثًا تجلس، ومفقودًا تنتظر، فلقد ذهب الولد العاق دون رجعة، وبلا عودة حتى أنكر الموظف جلوسها ليقول لها: لماذا تجلسين هنا يا عمة؟ فأجابت: ابني سوف يأتي الآن ليأخذني بقلب مشبع بالأمل! قال لها الموظف: ادخلي يا أماه فقد أسدل الليل ستاره، ولأمر ما عاشت الأم في تلك الدار سنتين! وغدت كل يوم تنزل من مخدعها، وتجلس على نفس المقعد الذي تركها ولدها فيه، وتقول: سوف يأتي ولدي الآن أنا في انتظاره! أنا في انتظاره!".

وقفة مهمة: الموازنة بين حقوق الزوجة وحقوق الوالدين:

المشاكل التي تنشأ بين الزوجة والوالدين لها عوامل كثيرة يصعب حصرها، ولكنها تتلخص في نوعين من الأسباب: أحدها: شرعية "ظلم - جهل - ونحوهما". ثانيها: نفسية واجتماعية "غيرة متبادلة وحب استثار"؛ ومما يعين على تلافي المشاكل أن يسعى كل طرف في أداء ما عليه كما يطلب ما له.

أولاً: دور "الابن - الزوج":

- الحذر من تغير أحواله بعد الزواج إلى الأدنى.

- ترسيخ معنى بر والديه وعدم عقوقهما في نفس الزوجة وإن كانا ظالمين.

- إنصاف الزوجة وذلك بمعرفه حقها، والتثبت قبل قبول الأخبار من والديه بشأنها.

- اصطناع التوادد بين جميع الأطراف.

ثانيًا: دور زوجة الابن:

- مراعاة الوالدين وفهم طبيعتهما، وإيثار رضا الزوج في الإحسان إلى والديه.

- استيعاب أن أم الزوج لها عليه حقوق وبه لها تعلق "زرعها الذي رعته سنين طوال".

- أن تعلم أن الزوج الذي يحب والديه هو رجل صالح، وهذا خير لها.

- الجزاء من جنس العمل، فأنت اليوم زوجة لابن، وغدًا أم لزوج وهو ابنك.

ثالثًا: دور أم الزوج:

- تجنبي الغيرة المفسدة؛ فإن مِن الحب ما قتل!

- تجنبي القسوة وسوء الظن؛ لئلا تكوني عونًا للشيطان على ولدك.

- الجزاء من جنس العمل فأنت اليوم أم لزوج، وغدًا أم لزوجة وهي ابنتك.

3- عاقبة العقوق:

1- يستجلب غضب الرب -سبحانه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

2- يستجيب الله دعاءهما ولو كان الولد طائعًا: "يذكر الخطيب الشاهد من قصة جريج العابد وأمه".

- فكيف لو كان الولد عاصيًا؟! روي ابن أبي الدنيا: "عَنْ أَبِي قَزَعَةَ، رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ: مَرَرْنَا فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ، فَسَمِعْنَا نَهِيقَ حِمَارٍ، فَقُلْنَا لَهُمْ: مَا هَذَا النَّهِيقُ؟ قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ كَانَ عِنْدَنَا، كَانَتْ أُمُّهُ تُكَلِّمُهُ بِشَيْءٍ، فَيَقُولُ لَهَا: انْهَقِي نَهِيقَكِ، فَكَانَتْ أُمُّهُ تَقُولُ: جَعَلَكَ اللَّهُ حِمَارًا، فَلَمَّا مَاتَ سُمِعَ هَذَا النَّهِيقُ عِنْدَ قَبْرِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ!".

3- سبب في حبوط الأعمال أو ردها على صاحبها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلاثَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُمْ صَرْفًا وَلا عَدْلا: عَاقٌّ، وَمَنَّانٌ، وَمُكَذِّبٌ بِالْقَدَرِ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

4- يمحق بركة الرزق والعمر: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (رواه البخاري ومسلم).

5- عقوبة معجلة في الدنيا قبل الآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بابانِ مَعَجَّلانِ عُقُوبَتُهُما فِي الدُّنْيا: البَغْيُ والعُقُوقُ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني).

- الجزاء من جنس العمل: "هذه أم تجلس مع أطفالها كل يوم وهم يدرسون، وكان والد زوجها شيخ مسن كبير يعيش معهم في البيت، ولكن في غرفة منعزلة في حديقة البيت، كل يوم تذهب إليه تضع له الطعام ثم تعود إلى أولادها تلعب معهم وتقوم على تربيتهم، وفي يوم من الأيام رأت أحد أولادها الصغار يلعب في ورقة وقلم يرسم مربعات في وسط الورقة، فسألت الأم: يا بني ماذا ترسم؟ فأجاب: أرسم بيت المستقبل! فرحت الأم لجوابه، ثم قالت: ولماذا هذا المربع بعيد عن البيت؟ فقال: هذه غرفتك في المستقبل، فقالت له متعجبة: ستجعلني في غرفة وحدي؟ فقال: نعم، كما أنت تجعلين جدي في غرفة منعزلة وحده!

فكانت هذه الكلمات البريئة كالصاعقة لهذه الأم، فتأثرت لموعظة الطفل الصغير، وذهبت وغيرت أثاث البيت، وجاءت بالجد إلى داخل السكن في أفضل غرفة في البيت، وعندما عاد زوجها تعجب أن الجد داخل البيت، فقال لها: ماذا حدث؟ فقالت له ما قاله الطفل فتأثر تأثرًا شديدًا وشكرها على ذلك" (بر الوالدين آداب وأحكام لخالد الخراز).

6- سبب في الحرمان من الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلا عَاقٌّ وَالِدَيْهِ، وَلا مُدْمِنُ خَمْرٍ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

4- العلاج:

- يختم الخطيب الخطبة بالتشويق للجمعة التالية، والتي تحمل العلاج، وعنوانها: "بر الوالدين: فضائله وطرائق تحصيله".