إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 28 ديسمبر 2016 - 29 ربيع الأول 1438هـ

مكانة الوالدين (موعظة الأسبوع) (1)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض من الخطبة:

بيان وتفصيل حول الوصية الثانية من وصايا لقمان -عليه السلام- لابنه، وهي الإحسان إلى الوالدين من خلال ثلاثة أحاديث مسلسلة.

المقدمة:

- لقمان -عليه السلام- يتبع منهج القرآن في ترتيب الحقوق: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان:13)، ثم قال: (وَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان:14).

- لطيفة وفائدة حول السياق: قيل: "هاتان الآيتان اعتراض بين أثناء وصية لقمان نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- وأمه لما أسلم". وقيل: "إن هذا مما أوصى به لقمان ابنه أخبر الله به عنه" (تفسير القرطبي).

- الإشارة إلى أن الموضوع لأهميته سيكون مقسمًا على ثلاث خطب -إن شاء الله-، وهي:

1- مكانة الوالدين.

2- عقوق الوالدين: "مظاهره وعواقبه".

3- بر الوالدين: "فضائله وطرائق تحصيله".

1- الإحسان إلى الوالدين وصية الله بعد التوحيد:

- اقتران الإحسان بالوالدين بقضية التوحيد: قال الله -تعالى-: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (النساء:36)، وقال: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء:23).

- لأن التوحيد أعظم حق للخالق، والإحسان إلى الوالدين أعظم حق للمخلوق: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: (أُمَّكَ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أُمَّكَ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أُمَّكَ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أَبُوكَ) (متفق عليه).

- عظم الوصية من عظمة الموصي: قال الله -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) (الأحقاف:15).

- الإحسان إلى الوالدين وصية الله للعالمين: قال الله -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ)، وقال -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (البقرة:83).

2- حكمة الإكثار من وصية الأبناء بالآباء:

- الآباء مفطورون على محبة الأبناء فلا يحتاجون إلى وصية بهم: عن قرة بن إياس المزني قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ, وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ يَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَتُحِبُّهُ؟), فَقَالَ: أَحَبَّكَ اللَّهُ كَمَا أُحِبُّهُ, فَمَاتَ فَحَزِنَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ فَامْتَنَعَ أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ لِذِكْرِ ابْنِهِ, فَفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ بُنَيُّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ، فَلَقِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: (يَا فُلانُ, أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ؟ أَوْ لا تَأْتِي غَدًا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ؟), قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ يَسْبِقُنِي إِلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُهَا لِي أَحَبُّ إِلَيَّ, قَالَ: (فَذَاكَ لَكَ) فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيَ خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّنَا؟ قَالَ: (بَلْ لِكُلِّكُمْ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

- الآباء يقدمون الأبناء على أنفسهم: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُنِي فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ. فَدَخَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: (مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ) (متفق عليه).

- يحزن الآباء إذا كان أحدهما عقيمًا ولربما تنقطع الحياة الزوجية بين الأحبة لكون أحدهما عقيمًا: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ . أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى:49-50).

- الوصية الوحيدة للآباء بالأبناء في أمر مادي بسبب زيادة المحبة: قال الله -تعالى-: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) (النساء:11)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (سَوُّوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ) (رواه البيهقي، وحسنه الحافظ ابن حجر).

3- مكانة الأم:

- خصها الله بالذكر في الوصية العامة بالأبوين: قال الله -تعالى-: (وَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ).

- زيادة الوصية بها لزيادة حقوقها "الحمل - الولادة - الرضاع": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ) (رواه مسلم).

- قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إِنِّي لا أَعْلَمُ عَمَلاً أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ" (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني).

أولاً: حق الحمل:

- مظاهر الضعف من بداية الحمل إلى نهايته: قال الله -تعالى-: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ)، وقال -تعالى-: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا).

- آلام النطفة من أول لحظة: قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إن النطفة إذا وقعت في رحم المرأة أخذت كل شيء منها".

- آلام الوحم والعزوف عن الطعام والشراب ونحوه: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ).

- آلام نمو الجنين: "حركة الجنين - نمو شعر رأسه - ثقله المتزايد لمدة تسعة أشهر"، وتخاف إذا توقفت هذه الآلام ساعة، مظنة موت الجنين!

- تعرضها للأمراض والمخاطر الصحية أثناء الحمل: "ارتفاع الضغط - انخفاض السكر - الحذر عند التداوي لأجلك".

ثانيًا: حق الولادة:

- صراع مع الحياة، وتردد المولود في الخروج وربما قطعوا لحمها ليخرج: قال الله -تعالى-: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا).

- صرخات آلام الولادة تملأها السعادة: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- فقال: "إني أحمل أمي وأطوف بها، أتراني وفيتها حقها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة من زفراتها!".

ثالثًا: حق الرضاع:

- ترضعك فتضعفها هي وتقوى أنت: قال الله -تعالى-: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ).

- تسهر الليل على راحتك وتفزع لبكائك وتتلوث لتطهرك من النجاسة: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: "إن لي أمًّا بلغ الكبر منها أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية فهل أديت حقها؟ قال: لا؛ لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنتَ تصنعه وتتمنى فراقها!" انظر إلى الطفلة وهي تلعب بالعرائس فإنها تتدرب بالفطرة لتكون أمًّا!

- جعل لها أحكامًا في الشرع تتعلق بمرحلة الحمل والرضاع بسبب ضعفها: "الصيام - نفقة الرضيع".

- خلاصة: الأم طريقك إلى الجنة: قال -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي جاء يستشيره في الخروج إلى الغزو: (هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَالْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا) (رواه النسائي، وقال الألباني: حسن صحيح).

4- مكانة الأب:

- الوالد سبب وجودك في الحياة: قال الله -تعالى-: (فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) (الطارق:5-6).

- الوالد يسعى في الدنيا لأجلك ولينفق عليك: قال -صلى الله عليه وسلم- (الْوَلَدُ مِنْ كَسْبِ الْوَالِدِ) (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ) (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني).

- الوالد سند الولد، فإذا مات انكسر الولد وقُهر: قال الله -تعالى-: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) (الضحى:9).

- موتك أعظم المصائب على والدك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ) (رواه أحمد الترمذي، وحسنه الألباني).

- كتب أحد الصالحين إلى أبيه: "جعلني الله فداك"، فكتب إليه الوالد: "لا تكتب مثل هذا، فأنت على موتي أصبر مني على موتك".

- خلاصة: الوالد طريقك إلى الجنة: قال -صلى الله عليه وسلم- (الوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

خاتمة:

- الإشارة إلى عظيم فضل الإحسان إلى الوالدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ)، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ) (رواه مسلم).

 - وعن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللهِ، قَالَ: (فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟)، قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلاهُمَا، قَالَ: (فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللهِ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا) (متفق عليه).

- التنبيه على اتصال الحديث في المرة القادمة، وموضوعه: "عقوق الوالدين: مظاهره وعواقبه".

فاللهم ارحم آباءنا كما ربونا صغارًا، وارزق أبناءنا البر بنا.