إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 28 ديسمبر 2016 - 29 ربيع الأول 1438هـ

وقفات بين يدي وصايا لقمان (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض من الخطبة:

- الوقوف على بعض الفوائد بين يدي الوصايا الغالية في قصة لقمان الحكيم -عليه السلام- لابنه.

المقدمة:

- الإشارة إلى الآيات المتضمنة لوصايا لقمان -عليه السلام-: قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ... ) (لقمان:12).

- الإشارة إلى الوصايا كعناوين، والتنبيه على تسلسل الحديث حولها: "فضل التوحيد وخطر الشرك - حقوق الوالدين - مراقبة الله - تعظيم قدر الصلاة - الدعوة إلى الله - حسن الخلق".

الوقفة الأولى: تعريف بلقمان الحكيم:

- كان عبدًا صالحًا من غير نبوة: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا "، وقال سعيد بن المسيب -رحمه الله-: "كان لقمان من سودان مصر ذا شافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة"، وقال القرطبي -رحمه الله-: "والصحيح الذي عليه الجمهور أن لقمان كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا".

- كان لقمان من أفضل الناس: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب -رحمه الله- يسأله فقال له: "لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان مِن أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال بن رباح، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم" (تفسير ابن كثير).

- مكانة الإنسان بدينه لا بهيئته ولا نسبه: قال الله -تعالى-: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) (رواه مسلم).

- أعظم كرامة للقمان -عليه السلام- ثناء الله عليه في القرآن: وإلا فقد ذُكِر أبو لهب الشريف بالذم إلى يوم القيامة: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) (المسد:1-3)، وكذا فرعون العزيز: (إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:4).

- وهكذا كل صاحب مال أو سلطان من أهل معصية الرحمن: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ . هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) (الحاقة:28-29).

- لا يغني مال ولا منصب ولا نخبة ما لم يكن صاحبه من أهل الصلاح: قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم- في عبد الله بن مسعود: كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مِمَّ تَضْحَكُونَ؟) قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).

الوقفة الثانية: حكمة لقمان:

- الحكمة فضل من الله: قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) (لقمان:12)، وقال -تعالى-: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (البقرة:269).

- تعريف الحكمة: قال مجاهد -رحمه الله-: "هي الفقه والعقل والإصابة في القول".

- مثال من حكمته: قال ابن جرير -رحمه الله-: "كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، قال: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، فقال له: أخرج لنا أخبث مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، فقال مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجت اللسان والقلب، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما! فقال لقمان: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا!" .

- مصداقه حديث نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ) (متفق عليه)، وقوله: (إِذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فإِنَّ الأَعْضاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللِّسانَ، فَتَقُولُ: اتَّقِ الله فِينا فإِنَّما نَحْنُ بِكَ، فإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- عوامل معِينة على التحلي بالحكمة: سئل لقمان -عليه السلام- عن أسباب ما وصل إليه، فقال: "غضي بصري، وكفي لساني، وعفة طعمتي، وحفظي فرجي، وقولي بصدق، ووفائي بعهدي" (تفسير ابن كثير).

الوقفة الثالثة: مسئولية الآباء عن تربية الأبناء:

مناسبة الوقفة: قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ... ) (لقمان:13).

- جعل الشرع الآباء مسئولين عن تربية الأبناء: قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلا كلُّكُمْ راعٍ وكلُّكُمْ مسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ... ) (متفق عليه).

- لأن كل الآباء مفطورون على الحب والرحمة تجاه الأبناء: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحَلَّبَ ثديُها تسْعَى إِذا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟) فَقُلْنَا: لا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: (لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِها) (متفق عليه).

- ولكن... النصح في الدين للأبناء ليس من كل الآباء: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان:13)، (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (لقمان:17)، (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات:102)، (قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (يوسف:5).

- وأعظم الرحمة والتربية والرعاية إنقاذهم من النار: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم:6)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه: أحفظ أَمْ ضَيَّعَ حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بيته) (رواه ابن حبان، وحسنه الألباني).

الوقفة الرابعة: معالم على طريق التربية الصالحة:

أولاً: اختيار الأم الصالحة:

- هي أول خطوة على طريق التربية الصالحة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَات الدّين تربت يداك) (متفق عليه).

ثانيًا: الاحتساب في التربية:

- الأبناء نعمة ومِن شكرها حسن التربية: قال الله -تعالى-: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً) (الكهف:46).

- جزاء مَن احتسب في تربية أولاده الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ) (متفق عليه).

ثالثًا: تعويد الأبناء على العبادات منذ الصغر:

- عمل الآباء في مرحلة البناء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني).

رابعًا: تجنبهم المحرمات والمنكرات:

- تنفيرهم من المحرمات والمعاصي وتبغيضها إلى نفوسهم: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (كِخْ كِخْ) لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ: (أما شَعرت أَنا لا نَأْكُل الصَّدَقَة؟) (رواه البخاري).

خامسًا: إبعادهم عن جلساء السوء:

- الصاحب ساحب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه الألباني).

سادسًا: الصبر عليهم عند ضعف استجابتهم:

- أُمر بذلك مَن هو أفضل منا: قال الله -تعالى-: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه:132).

- الهداية من الله، وعلينا الدلالة والإرشاد: قال الله -تعالى-: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص:56).

سابعًا: كثرة الدعاء لهم بالهداية والصلاح:

- دأب الصالحين مع أولادهم: قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان:74).

- الحذر من الدعاء عليهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلا تدْعُوا على أَوْلادكُم، لا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ) (رواه مسلم).

خاتمة: وصايا لقمان أعظم منهج للتربية:

- يقرأ الخطيب الآيات المتضمنة للوصايا مع الإشارة إلى تسلسل الحديث حولها في المرات المقبلة -بإذن الله-.