إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 21 ديسمبر 2016 - 22 ربيع الأول 1438هـ

دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (5) هلاك الفراعنة

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- التذكير بما سبق مختصرًا: اشتداد المحنة بالمؤمنين، وإمعان الفراعنة في قتل وتعذيب بني إسرائيل، على رغم ما أصابهم مِن ابتلاء، وتعهدهم بالتوبة، ولكن نكثوا عهدهم وازدادوا ضراوة في تعذيب بني إسرائيل؛ مما اضطر بني إسرائيل إلى الخروج مِن مصر، فارين بدينهم، عائدين إلى فلسطين.

- الإشارة إلى أحداث اليوم: خروج بني إسرائيل إلى جهة البحر، وتعقب الفراعنة لهم، وعبور المؤمنين البحر، بعد آية العصا، وغرق الفراعين في البحر، وزوال ملكهم وعروشهم، ثم الدروس والعِبَر حول ذلك.

- تفاصيل الأحداث مِن خلال آيات سور الشعراء: قال الله -تعالى-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ . فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ . فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ . فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ . فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ . وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الشعراء:52-68).

- ملخص الآيات: "يخبرنا ربنا -تعالى- عن خروج بني إسرائيل مِن مصر، وركوب فرعون في جنوده طالبًا لهم أن يقفوا أثرهم، وهو في جيش كثيف عرمرم، وأنه أدركهم عند شروق الشمس، ولما تراءى الجمعان، وعاين كل مِن الفريقين صاحبه وتحققه ورآه، ولم يبقَ إلا المقاتلة، وأصحاب موسى لا يقاومونهم عدة ولا عدد، فقالوا لموسى -عليه السلام-: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)؛ وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلى البحر، فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكه وخوضه، وهذا ما لا يستطيعه أحدٌ ولا يقدر عليه، وفرعون مِن ورائهم قد وواجههم، وهم منه في غاية الخوف والذعر؛ لما قاسوه مِن سلطانه مِن الإهانة والمكر؛ فشكوا إلى نبي الله موسى -عليه السلام-، فقال لهم الرسول الصادق: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، وتقدَّم إلى جهة البحر، وهو يقول: ها هنا أمرتُ؛ فلما تفاقم الأمر وضاق الحال واشتد، واقترب فرعون وجنوده بحدهم وحديدهم، وزاغت الأبصار؛ فعند ذلك نزل الوحي مِن الحليم العظيم القدير إلى موسى الكليم -عليه السلام-: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ)، فلما ضربه، يُقال إنه قال له: انفلق بإذن الله (فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ).

وأمر الله الريح، فلفحت حال البحر -طين أرضه-؛ فأذهبته حتى صار يابسًا، لا تعلق به سنابك الخيل والدواب ولا الأقدام (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى) (طه:77)، فانحدر موسى -عليه السلام- وبنو إسرائيل فيه مسرعين مستبشرين، وقد شاهدوا مِن الأمر العظيم ما يحير الناظرين، ويطمئن قلوب المؤمنين؛ فلما جاوزوه وخرج آخرهم منه، انفصلوا عنه، كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون ووفودهم عليه، فأراد موسى -عليه السلام- أن يضرب البحر بعصاه ليرجعه كما كان عليه؛ لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه، ولا سبيل عليه، فأمره القدير -سبحانه- أن يترك البحر على هذا الحال، كما قال الله -تعالى-: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ) (الدخان:24)، أي: ساكنًا على هيئته لا تغيره عن هذه الصفة.

فلما تركه على هيئته وحالة، وانتهى الفرعون فرأى ما رأى، وعاين ما عاين؛ هاله هذا المنظر العظيم، وتحقق ما كان يتحققه قبْل ذلك مِن أن هذا مِن فعل رب العرش الكريم؛ فأحجم ولم يتقدم، وندِم على نفسه على خروجه في طلبهم، لكنه أظهر لجنوده تجلدًا، وحملته النفس الكافرة والسجية الفاجرة على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه، وعلى باطله تابعوه: "انظروا كيف انحسر البحر لي؛ لأدرك عبيدي الآبقين مِن يدي، الخارجين عن طاعتي وبلدي؟!" وجعل يقدم تارة، ويحجم تارات!

وقيل: إن جبريل -عليه السلام- تبدى في صورة فارس راكب على فرس أنثى مشتهاة، فمر بيْن يدي فحل الفرعون، فحمحم إليها وأقبل عليها، وأسرع جبريل بين يديه، فاقتحم البحر، واستبق الجواد فبادر مسرعًا خلف فرس جبريل، هذا وفرعون ليس لا يملك مِن نفسه ضرًّا ولا نفعًا؛ فلما رأته الجنود سلك البحر، اقتحموا وراءه مسرعين، فخلصوا في البحر أجمعين، حتى همَّ أولهم بالخروج منه؛ فعند ذلك أمر الله كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فارتطم عليه البحر كما كان، وجعلت الأمواج تخفض فرعون تارة، وترفعه تارة، وبنو إسرائيل ينظرون إليه، والى جنوده، ماذا أحل الله بهم مِن البأس العظيم، والخطب الجسيم؛ ليكون أقر لأعينهم وأشفى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به، وباشر سكرات الموت، أناب حينئذٍ وتاب، وآمن حين لا ينفع نفس إيمانها، كما قال -تعالى- عنه: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) (يونس:90-92)، وهكذا لم ينجُ منهم إنسان، ونجى الله المؤمنين فلم يصب منهم أحد، كما قال الله -تعالى-: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) (الشعراء:65-66)، وذلك برهان قاطع على قدرته -تعالى- العظيمة، وصدق رسوله -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء به عن ربه مِن الشريعة الكريمة والمناهج المستقيمة" (قصص الأنبياء لابن كثير، بتصرف).

وقفات ودروس وعبر:

1ـ لماذا توجَّه موسى -عليه السلام- جهة البحر ولم يقصد جهة البر؟

الجواب: المنطقة التي دارت فيها الأحداث هي منطقة خليج السويس، والذي يخرج مِن منطقة جنوب الدلتا بمصر حيث كان حياة الفراعنة، قاصدًا فلسطين، فهو يتجه ناحية الشرق برًّا، وهو الطريق الذي دخل منها بنو إسرائيل مصر مع يعقوب -عليه السلام- لما جاءوا مِن فلسطين، وأما اتجاه موسى -عليه السلام- إلى جهة الجنوب الشرقي، فكان بتقدير (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر) (القمر:49)، وبوحي مِن الله (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى)، (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) (الأنفال:42).  

2ـ لماذا قدَّم ذكر المعية في كلام موسى -عليه السلام-: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)،  وأخَّر في كلام نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة:40)؟

الجواب: الفرق يرجع إلى اختلاف المخاطـَب، فكان تقديم المعية في قول موسى -عليه السلام-؛ لأن المخاطَب -وهم بنو إسرائيل- كانوا في شكٍ وفزع وخوف، فكان المناسب تقديم المعية إشعارًا بالمدد السريع، وكان تقديم لفظ الجلالة في قول نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن المخاطـَب -وهو الصديق- لم يكن في شك، إنما كان في خوف على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فناسب تقديم لفظ الجلالة، حيث الأنس به في تلك الوحشة، وهو ظاهر في تعبير النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا ‏أَبَا بَكْرٍ ‏‏مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) (متفق عليه)، فتأمل الفرق؛ لتعرف كيف كان الأنبياء يتعبدون لله بأسمائه وصفاته؟

3ـ لماذا اقتران العزة بالرحمة في الآية الخاتمة -وهما متقابلتان-: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ

الجواب: لأنه -سبحانه- عزيز في إهلاكه أعداءه؛ فلم ينجِ منهم أحدًا، وهو رحيم -سبحانه- بأوليائه؛ فلم يُغرق منهم أحدًا.

فائدة حول ذلك: أنكر الأعرابي الفصيح قراءة رجل لقوله -تعالى-: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة:38)، لما قرأها الرجل:"والله عزيز رحيم"، فقال الأعرابي المتدبر: "لو رحم ما قطع"، ولم يكن الأعرابي يحفظ الآيات، ولكن بتدبره وتعبده بالأسماء والصفات انتبه إلى ذلك!

4ـ لماذا كان الفراعنة أعداءنا، وكان بنو إسرائيل إخواننا؟

الجواب: لأن الفراعنة كانوا كفرة، وبنو إسرائيل كانوا مسلمين، قال الله -تعالى-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة:4)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: الْمُوَالَاةُ فِي اللهِ, وَالْمُعَادَاةُ فِي اللهِ, وَالْحُبُّ فِي اللهِ, وَالْبُغْضُ فِي اللهِ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني)، ولما كفر بنو إسرائيل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ) (متفق عليه).   

5ـ إهلاك الفراعنة عبرة لمن يعتبر: قال الله: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (القصص:40)، وقال: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) (الزخرف:55-56)، وقال: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) (يونس:92)، وقال: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) (الدخان:25-29).

6ـ العاقبة لأهل الإيمان: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص:5)، وقال موسى -عليه السلام- لقومه: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:128)، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55).

وهكذا نجَّى الله المؤمنين وأورثهم الأرض كما وعدهم؛ فماذا كان حالهم بعد ذلك؟

 هذا ما سيأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.