إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 17 ديسمبر 2016 - 18 ربيع الأول 1438هـ

سمات العمل المؤسسي (2)

كتبه/ أحمد عبد الحميد عنوز

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن سمات العمل المؤسسي أيضًا:

5- المرجعية لقرارات الإدارة العليا أو في كل إدارة بحسب تخصصها وصلاحياتها، ودرجة تفويضها: فإن وجود مجالس إدارات للعمل داخل المؤسسات تتولى عملية التوجيه وإصدار القرارات يحميها مِن النزعات الفردية، والأهواء الخاصة والميول الشخصية للقائمين بالعمل.

وفي المؤسسات المحترمة يكون مصدر القرارات هو مجالس الإدارة، أو اللجان والفِرَق والإدارات المتخصصة المخولة بالقيام بأنشطة المؤسسة وتحقيق أهدافها في ضوء توجيهات الإدارة العليا وخططها ومستهدفاتها؛ وذلك حتى تكون القرارات التفصيلية أقرب إلى الواقعية وإمكانية التنفيذ، ووفق القواعد واللوائح المنظمة للعمل بها؛ لا أن يكون القائد أو الفرد هو مصدر القرار؛ فلا مجال لتسلط الأفراد إلا بحدودٍ مِن الصلاحيات الممنوحة مِن تلك المجالس وفْق ضوابط وآليات محددة للرقابة على سلطة صاحب القرار؛ حيث إن المدير إنما يستمد صلاحياته مِن مجلس الإدارة وليس العكس، ومجلس الإدارة نفسه تم تفويضه مِن قِبَل أعضاء المؤسسة في القيام بأعمالها وخدمة مصالحها.

وينبغي أن يكون للإدارات واللجان المشكَّلة مِن قِبَل مجلس الإدارة الحق في مراجعة قرارات الإدارة العليا بما يحقق المصلحة العامة، وفق آلية محترمة مِن الجميع، وبما لا يخل بسير العمل ويؤدي لاضطرابه.

إن تفويض مجلس إدارة لاتخاذ القرارات اللازمة لمصلحة العمل هي الصيغة الوحيدة التي تضمن وحدة العمل، والتحرك للأفراد باتجاه أهدافهم، كما تضمن عدم تسلط الأفراد ذوي التأثير على عملية اتخاذ القرار، وإذا أحسنت المؤسسة اختيار مجالس إدارتها التي يثق بها العاملون بالمؤسسة؛ فإن ذلك يكون أقرب إلى تحقيق الرضائية مِن العاملين، وضمان التزامهم بالقرارات، خاصة لو توفرت لهذه المجالس صفات الكفاءة والفاعلية في التخطيط والتنفيذ، والتواصل والرقابة، والقدرة على جمع المعلومات وتحليلها والتدخل في الوقت المناسب لعلاج المشكلات وضبط أداء العمل بالمؤسسة.

على أن تفويض مجالس الإدارات العليا باتخاذ القرارات لا يعني استبدادها بالأمر دون مراجعة أصحاب التخصص في الإدارات واللجان الأدنى؛ فمجالس الإدارة الناجحة هي التي تحسن تكوين الفرق والإدارات والأقسام واللجان المتخصصة، وإعطائها الصلاحيات والموارد المطلوبة لإتمام أعمالها، وتقسيم العمل وتوزيع أعبائه، وإدارة هذه الفرق بتوجيهها وإشراكها في اتخاذ القرار وتحميلها مسئولية العمل والحماسة في القيام به، بل وتحسن إدارة التفويض الفعال لهذه الإدارات والفِرَق ومسئوليها.

والمؤسسات الناجحة هي التي تحسن الجمع بيْن المركزية واللا مركزية؛ مراعاة لاتساع مساحات العمل، وحجم المهام المطلوبة، وتنوع المهارات اللازمة للقيام بالأعمال المختلفة.

وكما أن التفويض ضروري لحسن سير العمل بالمؤسسات الكبرى؛ إلا أنه لا يعني استقلال كل إدارة باتخاذ أي مستوى أو نوع مِن القرارات، فإن هذا معناه الفوضى وليس التفويض.

6- يعتمد على الشورى لا الاستبداد بالرأي: فالشورى مبدأ إسلامي أصيل، وإحدى القيم الأساسية الواجب الالتزام بها فيما يتعلق بأمور الأمة ومصالحها، خصوصًا في المؤسسات الدعوية العاملة لتحقيقها.

ومبدأ استشارة أهل الرأي والخبرة والقوة مبدأ تعمل به جميع المؤسسات بما فيها المؤسسات الهادفة للربح، طلبًا لتحصيل أحسن الآراء وأجود القرارات، ومنعًا للاستبداد بالرأي وتغليب الأهواء والمصالح الشخصية، وسدًّا لباب النزاع والفرقة والفتن.

وقد أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بمشاورة أصحابه وهو المعصوم والمؤيد بالوحي، فقال الله -تعالى-: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159)، ومدح المؤمنين بقوله: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى? بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (الشورى:38).

ومحل الشورى هو ما ليس فيه نص شرعي قاطع لا يحتمل التأويل، ويشمل تحقيق مناطات الأحكام الشرعية، والاجتهاد في النوازل، وما ليس فيه نص مما يسوغ فيه الاجتهاد، بما في ذلك المواقف السياسية وقرارات السِّلْم والحرب، ومِن باب أولى ما دون ذلك مِن الترتيبات المصلحية الإدارية والدعوية وغيرها، مما يقصد به تحقيق مصالح المسلمين، وحسن تنظيم دولتهم و مؤسساتهم.

وسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين خير شاهدٍ على تطبيق هذا المبدأ الشرعي بأحسن صورة، وفي أدق الأمور، كما حدث في غزوة "بدر" وأسراها، والخروج لغزوة "أُحد"، و"صلح غطفان"، و"حفر الخندق"، وفي تولية أبي بكر للخلافة، ومَن جاء بعده، وكذلك المواقف التي جُمع لها أهل الرأي وأهل الحل والعقد.

والشورى في الإسلام تختلف عن وسائل الديمقراطية التي يمكن التحايل عليها وتوجيهها بعيدًا عن المصالح الحقيقية؛ لا سيما مع فقدانها لسمات الشورى الشرعية، التي منها: الديانة، والاستقامة، والأمانة، والعلم بالشرع والواقع؛ بالإضافة إلى ما اتفق عليه العقلاء مِن عدم التهور أو التقاعس، وتحصيل الخبرة والتخصص والكفاية والدراية، ومسئولية الرأي وشجاعته المنضبطة في المسائل المعروضة للشورى.

إن الشورى لا تعني مجرد استطلاع رأي أي أحدٍ مهما كان، أو التزام رأي الأغلبية العددية بغض النظر عن أهليتهم للاستشارة؛ فالشورى عملية متكاملة ومنضبطة ولها قواعد، و(الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وكذلك مَن يقوم بالاستشارة؛ وإلا فهي خيانة وتضييع للأمانة.