إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 14 ديسمبر 2016 - 15 ربيع الأول 1438هـ

دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (4) محنة المؤمنين

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- إشارة إلى أحداث اليوم إجمالاً: حيث محنة المؤمنين بعد إعلان فرعون الحرب على موسى -عليه السلام- وبني إسرائيل، ومحاولات نبي الله موسى -عليه السلام- معه ليتوب إلى الله هو وقومه؛ فما كان منهم إلا العناد والاستكبار، وزيادة النكال بالمؤمنين؛ مما أدى إلى خروج بني إسرائيل بقيادة موسى -عليه السلام- مِن مصر فارين بدينهم إلى أرض فلسطين، وذلك مِن خلال المشاهد التالية:

- تذكير بما سبق مِن انصراف موسى -عليه السلام- يوم الزينة منتصرًا بآيات الله الشرعية والمعجزات الإلهية، ورجوع الفرعون مهزومًا مخذولاَ مشغولاً بقتل السحرة بعد إيمانهم!

المشهد الأول: أساليب فرعونية في مواجهة الدعوة

تمهيد: تتلخص هذه الأساليب في نوعين:

الأول: محاولات عقلية ساذجة لصرف الجماهير عن دعوة موسى -عليه السلام- وتشويهها.

الثاني: إعمال القتل والاضطهاد في بني إسرائيل.

- الفرعون يستعمل المؤثرات المادية والشهوات للتأثير على الجماهير: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ . أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) (الزخرف:51-52).

- الفرعون يمعن في استخفافه بالعقول للتكذيب بدعوة التوحيد: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ . أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) (غافر:36-37)، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26).

- آثار طاعة الفرعون تظهر على الفراعنة: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف:131)، (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف:54).

- البطانة السيئة تخوِّف الفرعون مِن تنامي دعوة موسى -عليه السلام- وزيادة أتباعه، والفرعون يعلن الحرب الدموية والقهر للمؤمنين: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف:127).

المشهد الثاني: موقف موسى -عليه السلام- والمؤمنين:

- شدة الأذى والاضطهاد حتى يضطر المؤمنون إلى التخفي بصلاتهم: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:87)، وكان نبينا -صلى الله عليه وسلم- يجمع أصحابه في دار الأرقم للصلاة بعيدًا عن أعين المشركين.

- المؤمنون يشق عليهم زيادة العذاب وقتل الأولاد: (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) (الأعراف:129).

- موسى -عليه السلام- يصبرهم وينصحهم بالاستعانة بالله، ويبشرهم بقرب الفرج فإنها سنة الله: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف:128-129).

سؤال: لماذا يبتلي الله أولياءه وأحباءه؟!

الجواب مِن وجوه هي حكمة الابتلاء:

1- تصفية وتنقية للصف: (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:3)، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج:11).

2- تحمل المسئولية؛ استعدادًا لما سوف يلاقونه عند ظهور دعوتهم: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).

3- معرفة قدر هذا الدين العظيم الذي مِن أجله يتحملون: قال الله -تعالى-: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:40)، وقال: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

4- رفعة المؤمنين في الآخرة تصبرهم على المحن والشدائد في سبيل دينهم: قال الله -تعالى-: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (المؤمنون:111)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني).

المشهد الثالث: ابتلاء الفراعنة لعلهم يرجعون:

- موسى وهارون -عليهما السلام- يدعوان على الفراعنة غضبًا لله؛ ولئلا يغتر بهم غيرهم: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ . قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (يونس:88-89)، وقال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) (متفق عليه).

- بداية البلاء بآيتين مِن بقية التسع: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف:130). "ويظهر أنهم كانوا لا يرون ذلك في بني إسرائيل؛ مما يدل على تعلق الأمر بموسى -عليه السلام- ودعوته، ولكنهم لا يفقهون، بل عاندوا وكذبوا".

- وبدلاً أن يتوبوا ازدادوا كفرًا وتكذيبًا: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:43)، (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) (الأعراف:132).

- اشتداد البلاء لعلهم يرجعون: قال الله -تعالى-: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) (الأعراف:133). "ولقد كان ذلك كله مِن باب إقامة الحجة عليهم مِن إرسال الرسل، وإظهار الآيات، والترغيب والترهيب، ولكنهم كفروا وكذبوا!".

- توبة كاذبة يخالطها الاستكبار ثم مِن بعدها نكوث وانتكاس!: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الأعراف:134)، (وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ) (الزخرف:49)، (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى? أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) (الأعراف:135).

- بل ازدادوا في العناد والكفران: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26). "ولعله في هذه المدة قد آمن بعض آل فرعون "زوجه - ابن عمه - الماشطة"؛ مما زاده غضبًا وثورانًا".

المشهد الرابع: الأمر بالهجرة والخروج عن أرض مصر:

- الأمر بالرحيل إلى أرض فلسطين ليلاً فرارًا بالدين والنفس: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) (الشعراء:52)، (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) (يونس:83).

- الهجرة واجبة إذا عجز المؤمن عن إقامة دينه: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:97). "نزلتْ في قومٍ أسلموا في مكة وكتموا إسلامهم، وامتنعوا عن الهجرة؛ إيثارًا لأموالهم وأولادهم، مع قدرتهم على الهجرة".

وقفة وعبرة وتوضيح: توسعَ الناس في لفظ الهجرة حتى صار مَن يخرج مِن بلاد الإسلام إلى بلاد الكفار يعد مهاجرًا!: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنا بَرِيءٌ مِنْ كلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ لَا تَرَاءَى نارُهُما) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

خاتمة:

شرع بنو إسرائيل في التجهز للهجرة، وانطلقوا بعد ذلك في ليلة واحدة وهم نحو ستمائة ألف أو يزيدون -على قول بعض المفسرين-، وسرعان ما وصل الخبر إلى فرعون؛ فأمر بجمع جنوده مِن جميع أنحاء مصر لطلب بني إسرائيل، وكانوا يزيدون عن ألف ألف أو أكثر! والله أعلم: قال الله -تعالى-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ . فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) (الشعراء:52-56).

فماذا حدث في هذا اللقاء؟!

هذا ما سيأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.