إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 14 ديسمبر 2016 - 15 ربيع الأول 1438هـ

إسرائيل دولة استعمارية عنصرية (1)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سادت أوروبا في أعقاب نهضتها الحديثة نزعتان: النزعة القومية، والنزعة الاستعمارية.

والنزعة القومية: شعور بالانتماء إلى جنس يربط أفراده وحدة العِرْق أو اللغة أو التاريخ المشترك، والآمال والمصالح المشتركة، وقد ارتبط الأخذ بالعلمانية في أوروبا -بناء المدنية الحديثة فيها- على النزعات القومية، خاصة بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789م.

أما النزعة الاستعمارية: فسياسة -أو ممارسة- للاستيلاء على أراضي الغير بشكل مباشر بالقوة العسكرية، أو بشكل غير مباشر ببسط السيطرة السياسية أو الاقتصادية على أراضي الغير.

وقد مارست أوروبا سياستها الاستعمارية المباشرة بعد الاكتشافات الجغرافية والثورة الصناعية؛ حيث قامت كل مِن: إنجلترا، وفرنسا، وهولندا، والبرتغال، وأسبانيا ببناء مستعمرات لها في الأمريكيتين، والهند، وجزر الهند الشرقية وإفريقيا.

وفي القرن التاسع عشر الميلادي وحتى الحرب العالمية الأولى زاد النشاط الاستعماري الأوروبي بانضمام روسيا، وإيطاليا، وألمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، واليابان إلى قائمة الدول الاستعمارية، حيث غطى الاستعمار الأوروبي معظم أرجاء الكرة الأرضية.

وقد تأثر الكاتب الصحفي "تيودور هرتزل" -مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة- في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي بما ساد أوروبا في تلك الفترة مِن النزعات القومية والاستعمارية، فبنى فكرته التي روّج لها في كتابِه (الدولة اليهودية)، وسعى إلى تنفيذها على أساس:

- إقامة دولة ليهود العالم، تكون وطنًا قوميًّا لهم يجمعهم، بدلاً مِن تشتتهم في أنحاء العالم.

- أن يتم إنشاء هذه الدولة باستعمار أرض شاغرة يتم عليها تحقيق هذا الهدف.

ولم تكن تلك الأرض عند "هرتزل" هي أرض فلسطين على وجه التحديد، ولكن تمسك أكثر مَن استجابوا لفكرته بأن تكون أرض فلسطين أرضًا لدولتهم -دون أدنى اعتبار لسكانها العرب الأصليين- لما يحييه هذا الاختيار عندهم مِن أحلام تاريخية، ورفض أكثرهم أن يكون وطنهم المرتقب خارج أرض فلسطين عندما عرض عليهم "هرتزل" غيرها؛ إلا أن تكون دولتهم فيها مؤقتة ينتقلون بعدها إلى فلسطين.

يقول "هرتزل" في كتابِه "الدولة اليهودية" وهو يغري الأوروبيين بتأييد فكرته الاستعمارية بإقامة دولة لليهود الأوروبيين في فلسطين يكون اليهود فيها رأس حربة للغرب ضد شعوب المنطقة المتخلفين: "بالنسبة لأوروبا سنقيم هناك -أي في فلسطين- جزءًا مِن السور المضاد لآسيا، وسنكون -أي اليهود الذين سينتقلون إليها- حُرّاس الحضارة المتقدمي الموقع ضد البربر".

وكتب "هرتزل" إلى رائد الاستعمار البريطاني في إفريقيا (سيسل رودس) وهو يعرض برنامجه الاستعماري عليه، يقول: "أرجوك أن ترسل لي نصًّا جوابيًّا تعلمني فيه أنك درست برنامجي، وأنه يحظى بموافقتك. تتساءل ربما: لماذا أتوجه إليك يا سيد رودس؟ أتوجه إليك؛ لأن برنامجي هو برنامج استعماري".

ويقول "هرتزل" وهو يشرح فكرته في كتابِه "الدولة اليهودية": "هناك أرضان مأخوذتان بالاعتبار: فلسطين والأرجنتين، ولقد تمت تجارب ملفتة لإقامة مستعمرات يهودية في هاتين النقطتين"، ثم يقول: "ستأخذ الهيئة -أي الهيئة اليهودية- ما سوف يُعطى لها"، وكان البارون "دو هيرش" الصهيوني قد قام بإنشاء الجمعية الاستعمارية اليهودية بهدف توطين اليهود الروس في الأرجنتين، كما كانت هناك محاولات لإقامة مستوطنة لمهاجرين يهود في فلسطين.

وقد عرض (جوزيف تشمبرلن) -وزير المستعمرات البريطاني- إعطاء الحركة الصهيونية منطقة شبه خالية مِن السكان في أوغندا، وقَبِل "هرتزل" العرض، ولما عرض "هرتزل" الأمر على المؤتمر الصهيوني السادس الذي انعقد في عام 1903م انقسم الحاضرون بيْن مؤيدين ورافضين؛ فلم يستطع "هرتزل" تمرير مشروعه الإفريقي.

وبعد وفاة "هرتزل" عام 1904م تركزت الجهود الصهيونية على فلسطين، ونجح "حاييم وايزمان" الذي خلف "هرتزل" في زعامة الحركة الصهيونية في الحصول مِن بريطانيا على "وعد بلفور" بإقامة وطن لليهود في فلسطين عام 1917م.

وبسبب النزعة الاستعمارية لإسرائيل فهي ترفض منذ نشأتها "وحتى الآن" أن تكون لها حدود معروفة ثابتة؛ فهي دولة استعمارية لكل اليهود، تتمدد على حساب مَن بجوارها مِن البلدان العربية كلما أمكنها ذلك، ولتبرير ذلك لنفسها روجت -كعادتها- شعارًا زعمت أنه مستمد مِن أكاذيبها التاريخية: "مِن الفرات إلى النيل، أرضك الموعودة يا إسرائيل!".

وقد صرَّح زعماء إسرائيل والحركة الصهيونية بهذا النهج الاستعماري، وعليه السياسة الإسرائيلية إلى اليوم.

يقول "ابن جوريون" في مذكراته "بعث إسرائيل ومصيرها - ط. نيويورك 1954م ص: 419": "أمامكم الإعلان الأمريكي للاستقلال، ليس به أي ذكر لحدود أراضيه، ولسنا ملزمين بتعيين حدود للدولة"، ويقول في موضع آخر: "لسنا مضطرين لرسم حدود الدولة".

ويقول الجنرال "موشي دايان" في يوليو 1968م: "في المائة عام الماضية قام شعبنا بإنشاء هذه البلاد وهذه الأمة، وعمل على توسيع نطاقها باستقدام عددٍ متزايد مِن اليهود، وبإنشاء مزيدٍ مِن المستعمرات لتوسيع حدودنا، وليعلم كل يهودي أن هذه العملية لم تنتهِ، وأننا لم نبلغ بعد نهاية الطريق". ويقول أيضًا: "إذا كنا نعتبر أننا شعب التوراة؛ فلا بد مِن امتلاك أراضي التوراة أيضًا!".

وقالت "جولدا مائير" في عام 1969م: "حيث سنقيم ستكون هناك حدودنا!".

وفي 7 يوليو 1972م سُئِلت "مائير": "ما هي حدود الأراضي التي تعتبرونها ضرورية لأمن إسرائيل؟ فقالت: إذا كنت تريد أن تقول إنه يتعين علينا أن نرسم خطـًّا لحدودنا؛ فهذا أمر لم نفعله، وسننفذه عندما يجيء الوقت المناسب".

وهذه كما ترى إجابة دبلوماسية؛ فقد لا يجيء هذا الوقت أبدًا.

ثم تقول: "ولكن يجب أن يَعرف الناس أن مِن أساسيات سياستنا عدم النص في أي معاهدة للسلام على حدود 1967م -أي رفض العودة إلى حدود ما قبْل حرب يونيو 1967م-؛ فلا بد مِن إدخال تعديلات على الحدود -أي بإضافة أراضٍ مِن التي احتلتها إسرائيل في يونيو 1967م إلى حدود إسرائيل عام 1948م-، نريد تغييرًا في حدودنا مِن أجل أمن بلادنا!".

وللحديث بقية -إن شاء الله-.