إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 07 ديسمبر 2016 - 8 ربيع الأول 1438هـ

دروس مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (3) المواجهة والدعوة

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- تذكير بما سبق مِن تكليف موسى -عليه السلام- بالرسالة، وأمره بالتوجه برفقة أخيه هارون -عليه السلام- إلى فرعون وملئه لدعوتهم إلى الله -عز وجل-، وإرسال بني إسرائيل معهما.

- الإشارة إلى أحداث اليوم إجمالاً: حيث المواجهة مع الفرعون، وتكذيب الفرعون واستكباره، وجمعه السحرة؛ لمواجهة دعوة موسى -عليه السلام-، وذلك مِن خلال المشاهد الآتية.

المشهد الأول: دعوة الفرعون وقومه:

- موسى -عليه السلام- يذهب للقاء الفرعون: قال الله -تعالى-: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى . وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) (النازعات:17-19)، وقال -تعالى-: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه:43-44).

- الفرعون يتكبر ويرد بالازدراء والتنقص: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ . وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (الشعراء:18-19).

- موسى -عليه السلام- يرد بأن ذلك كان مِن قبيل الخطأ، وقد رجعتُ إليكم بنعمة الرسالة والنبوة، وأما امتنانك عليَّ بالإحسان والتربية، فأنا رجل واحد مِن بني إسرائيل الذين استعبدتهم في خدمتك وهم امة كاملة: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ . فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ . وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الشعراء:20-22).

- الفرعون يكذب ويتهكم، وموسى -عليه السلام- في صبر وثبات يقيم عليه الحجة العقلية -مظاهر الربوبية- الدالة على عظيم قدرة الله في الخلق: (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ . قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ . قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ . قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (الشعراء:24-28).

- فرعون يهدد بسلطانه وجاهه، وقد قامت عليه الحجة وانقطعت شبهته، وموسى -عليه السلام- يعرض عليه الآيات الحسية لعله يرجع: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ . قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ . قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ . وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ) (الشعراء:29-33).

- الفرعون في خوف وذعر مصحوب بعنادٍ واستكبار يتهم موسى -عليه السلام- بعمل السحر، ويتوعده بما يعيبه عليه!: (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ . قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) (الشعراء:34-37)، وقال -تعالى-: (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى . فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى . قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) (طه:57-59).

دروس وعبر:

- عظيم رحمة الله وسعة حلمه: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى). قال قتادة: "يا رب إن كان هذا حلمك برجل قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) فكيف يكون حلمك بعبدٍ سجد لك وقال: "سبحان ربي الأعلى"؟!"، وقال يزيد الرقاشى: "يا مَن يتحبب إلى مَن يعاديه؛ فكيف بمن يتولاه ويناديه؟!" (ذكره السيوطي في الدر المنثور).

- حاجة المؤمن للذكر لاسيما عند المواقف الصعبة: قال الله -تعالى-: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي) (طه:42)، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال:45).

المشهد الثاني: أحداث يوم الزينة:

- الفرعون يجمع كبار السحرة ويجتمع بهم ويعدهم ويمنيهم: (وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ . قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (الأعراف:113-114)، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) (يونس:79).

- الإعلام الفرعوني يملأ البلاد تحريضًا على موسى وهارون -عليهما السلام-: (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ) (الشعراء:39-40)، (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى) (طه:63).

- وقفة مهمة: داء التقليد للآباء والأجداد الضالين أو التمسك بما عاش عليه الناس، واعتقاد أنه الطريقة المثلى؛ سبب الهلاك والكفر، مثال: "أبو طالب عم النبي -صلى الله عليه وسلم-".

- المواجهة يوم الزينة، وموسى -عليه السلام- يتوجه بالنصيحة للسحرة لعلهم يتوبون: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) (طه:61).

- السحرة يترددون، ثم يستمرون على باطلهم، بل جعلوا يتواصلون بالصبر بينهم: (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى . قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى) (طه:62-63).

- السحرة يظهرون تماسكًا ويتصرفون في غرور، وموسى -عليه السلام- يخشى على الناس مِن سحرهم، وربه يطمئنه: (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ . قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ . وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (الأعراف:115-122).

تابع مشهد يوم الزينة:

- الفرعون المضطرب يحاول احتواء الموقف العصيب؛ فليس الأمر هزيمة السحرة فحسب، بل آمن السحرة الذين يزينون باطله، فيلجأ إلى التزييف باشتراط إذنه، وإلا فإنها مؤامرة: (قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) (طه:71)، (إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا) (الأعراف:123).

- السحرة يعلنون بقاءهم على الإيمان، والفرعون يأمر بقتلهم متحديًا ربهم ورب العالمين في شدة العذاب والبقاء: (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى . قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه:71-72).

دروس وعبر:

- أثر الإيمان على القلوب: تحولوا من طلاب دنيا (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) (الشعراء:41)، إلى طلاب الآخرة (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، وتحولوا مِن مشركين مبطلين (وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) (الشعراء:44)، إلى موحدين موقنين (لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا) قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كانوا أول النهار سحرة فجرة، فصاروا آخره شهداء بررة!"، ويؤيده قولهم: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) (الأعراف:126).

- بل صاروا دعاه إلى الله منذ لحظة إسلامهم الأولى حيث وجهوا الدعوة للفرعون: (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى . وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) (طه:74-75).

خاتمة: "الفرعون يعلن الحرب على المؤمنين":

- الفرعون يأمر بإعمال القتل والتعذيب في قوم موسى -عليه السلام- بعد مشاورة بطانة السوء: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف:127).

فأما تفصيل ذلك؛ فهذا ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.