إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 26 نوفمبر 2016 - 26 صفر 1438هـ

تجديد الخطاب الديني وإلغاء الخطاب الديني

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكثيرًا ما تطلق عبارات يتفق الأكثر على رفضها، ثم يختلفون اختلافًا واسعًا يصل إلى حد التناقض في تفسيرها، ومِن أكثر العبارات التي تنطبق عليها هذه القاعدة، عبارة: "تجديد الخطاب الديني"، وكذلك لفظ "التنوير"؛ فأهل العلم يرون في التنوير نشر النور الذي بعث الله به رسوله -صلى الله عليه وسلم- كتابًا وسنة، كما قال الله -تعالى-: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) (التغابن:8)، وقال -سبحانه-: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:15-16)، في حين يريد به طائفة مِن أذناب الغرب مسخ هُويّة الأمة الإسلامية، وصدّها عن دينها إلى ما يبتغون مِن نشر قيم الغرب وأخلاقه!

فالقرآن عندهم حَمّال أوجُه فلن تستطيع الاستدلال به على مسألة، والسُنّة "أخبار آحاد"، ووصل الأمر ببعضهم إلى الطعن فيها بالكلية، والطعن في البخاري ومُسلم خصوصًا؛ لنقض إجماع الأمة على تعظيمهما واعتبار ما فيهما جملةً، عدا المستدركات عليهما، وهي محدودة معدودة لا تبلغ العشرين، أكثرها هما المصيبان فيه، خاصة البخاري.

ثم الطعن في الأئمة الأربعة وأتباعهم مِن العلماء، ثم الطعن في العلماء والدعاة المعاصرين، بل والمؤسسات الدينية العريقة: "كالأزهر"، والجامعات الإسلامية في المشارق والمغارب في بلاد الإسلام؛ بزعم أنها تنشر التطرف والإرهاب ويجتهدون في تمييع قضايا العقيدة! حتى صار الإيمان بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ليس شرطًا في الإيمان والإسلام، وهذا في الحقيقة تكذيب للمعلوم مِن الدين بالضرورة؛ لأن أصل الدين شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن تكذيب أي رسول تكذيب لجميعهم، وكفرٌ بهم؛ فكيف بأفضلِهم وخاتمِهم محمد -صلى الله عليه وسلم-؟!

وكذلك تمييع قضايا الحلال والحرام؛ حتى ينتقي الناس بأهوائهم ما يشتهون، وكيف يُتَصور الوصول إلى الحق مع مَن هدم الأصل -الكتاب والسنة-؟!

والخطر الكبير في فتح الباب لأمثال هؤلاء للتأثير على الشباب والتغرير بهم؛ فإن هذا يؤدي إما إلى الإلحاد، وإما إلى التكفير والإرهاب، والانحراف عن منهج الحق؛ بسبب ضلالات هؤلاء، ونسبتهم إلى مؤسسات الدولة؛ فالذين يلعبون بذلك يلعبون بالنار، في وقت مِن أخطر الأوقات على الأمة.

ومصطلح "تجديد الخطاب الديني" في فهم أهل السُنّة وأهل العلم هو العودة إلى "المنهج الوسطي" لتجديد توعية المسلمين بنصوص الكتاب والسُّنة بفهم أهل العلم، وبيان الإجماع في بطلان بدع الانحراف، وكذلك بكثرة التوضيح للنصوص التي يحتج بها التكفيريون والصداميون، والنقول التي يُشَبِّهون بها على الناس، وذلك لإبطال بدعتهم وبيان ضلالتهم، وكذلك التوضيح للنصوص التي تدل على فضل الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- والحب المتبادل بينهم وبين "أهل البيت"، ورد الخرافات والخزعبلات وأنواع الغلو في الأئمة والأولياء؛ لمنع انتشار هذه السخافات بين الناس.

في حين يرى المنحرفون هذا المصطلح "تجديد الخطاب الديني" إلغاءً للخطاب الديني، وتعمية للناس عنه، وتشكيكهم في ثوابت الدين، ومواطن الإجماع، ومقتضى الأدلة، حتى تصبح كل القضايا محل نظر وشك! خصوصًا مع انتشار الجهل.

وهم يستغلون أن رئيس الدولة أكثَرَ مِن المطالبة بهذا المصطلح "تجديد الخطاب الديني"؛ ليحاولوا هدم الدين، ونسبة ذلك إليه وإلى الدولة كلها، مع أن دستور البلاد ينص على: "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، وأحكام المحكمة الدستورية التي تفسرها تنص على أحكامها، واعتبار الإجماع دليلًا لا يُعارَض، والأزهر وعلماؤه يرفضون بكل وضوح هذه التعدّيات على الخطاب الديني الصحيح المشروع، ومع ذلك تستمر قاطرة الهدم تعمل، والإعلام "يُطَبِّل ويُزَمِّر" لها، ومسئولون في الدولة يتركون مسئوليتهم وعملهم؛ لنشر اللهو الباطل والشُّبَه المنحرفة، ضاربين بعرض الحائط موقف المؤسسة الدينية الرسمية التي لها اعتبارها الدستوري.

العلاج لهذه المأساة -التي نُدفع إليها دفعًا- يكون بنشر العلم، ونشر تفسير القرآن على طريقة أهل السُّنة: "كابن كثير، وابن جرير، والقرطبي في آيات الأحكام"، ونشر السُنّة وشروحها: كـ"فتح الباري في شرح صحيح البخاري"؛ الذي تشرفت "الديار المصرية" بأن "ابن حجر" -رحمه الله- قاضيها في القرن التاسع هو الذي شَرَحه، وكشرح النووي -رحمه الله- لـ"مسلم"، وأن يتعلم الشباب العقيدة السهلة السمحة بأدلتها الناصعة مِن الكتاب والسُنّة بعيدًا عن البدع؛ فهذا خير تجديد للخطاب الديني؛ لأنه يدخل ضمن قول ‏النبي -‏صلى‏ الله‏ عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).