إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 22 نوفمبر 2016 - 22 صفر 1438هـ

المَطَر بيْن الضجر والفرح

كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمما جُبل عليه الإنسان المِلال والضجر إن أصابته ضرّاء أو تأخرت عنه السرّاء، والمِلال مِن استمراره على عادةٍ واحدة، وهذا يحمله على العَجَلة والطيش؛ إلا أهل الإيمان واليقين الذين يشكرون في السراء ويصبرون في الضراء.

ومِن أمثلة ذلك: "المَطَر!" إن تأخر ضجر، وإن نزل وكثر وخِيف منه الضرر مَلّه، وتمنى أن لو انقطع، بل ربما سَبّ الريح أو المطر إن آذاه!

وهذا نراه ورأيناه -للأسف- مِن البعض عندما رأى السيول وما فعلته في "رأس غارب" وغيرها، وصار عنده خوف مِن نزول المطر، وإن توقع أهل "الأرصاد" نزول المطر بما آتاهم الله مِن علم -بشرط تعليقِه على مشيئة الله- ولم يقع يقول: "الحمد لله... مرّت بسلام!".

وليس الأمر كما قال أو تمنى!

إنما الوسَط والعدل هو طريق الإيمان وأهله؛ فالمَطَر رحمة الله، وغياث يغيث به عباده مِن بعد ما قنطوا، وينشر رحمته في الجهة التي أنزله بها، قال الله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى:28)، إن تأخر دعا العبدُ ربَّه -تعالى- أن يُسقيه، كما دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا) (متفق عليه)، "اللهم اسق بلدك وبهيمك وانشر بركتك، اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريعًا طبقًا واسعًا، عاجلاً غير آجل، نافعًا غير ضار"، "اللهم سُقيا رحمة لا سُقيا عذاب".

- وإن نزل حمد الله -تعالى- ودعا ربَّه، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو عند نزول المطر، فعن عائشة -رضي الله عنها-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا رَأَى المَطَرَ، قَالَ: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا) (رواه البخاري).

- ويتعرّض له؛ لأنه حديث عَهْدٍ بتكوين الله له، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعل، فعن أنس -رضي الله عنه- قال: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: (لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى) (رواه مسلم).

- وإن خاف مِن ضرره إذا كثر؛ دعا بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) (متفق عليه).

(حَوَالَيْنَا) أي حوالي المدينة.

(وَلَا عَلَيْنَا) أي ولا على المدينة التي خِيف أن تتهدم مِن كثرة الأمطار.

(الْآكَامِ): جمع أَكمَة، وهي الأرض المرتفعة. (وَالظِّرَابِ): جمع ظرب وهي الرابية الصغيرة.

- ولا يسبّ الريح، وإنما يسأل الله خيرَها، ويستعيذ بالله من شرِّها، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَلا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَعُوذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (رَوْحِ): الرحمة، فلا تسبّوها؛ لأنها مأمورة (شرح سنن أبي داوود لشمس أبادي 14/ 3).

- وليعلم أن ما عند الله لا يأتي إلا بطاعته؛ فمع الطاعة الخير والبركات، ومع المعصية القحط والجدب وأنواع العذاب، يقول الله -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ . أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ . أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف:96-99)، وقال الله -تعالى- عن نوح -عليه السلام- وهو يدعو قومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) (نوح:10-12)، وقال الله -تعالى- عن هود -عليه السلام-: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (هود:52).

- وليُعلم أن الكوارث التي تصيب الناس تدور بيْن ابتلاء وعذاب؛ فهي لأهل الإيمان والطاعة ابتلاء؛ إن صبروا عليها كانت كفّارة لذنوبهم، ورفعة لدرجاتهم، ولأهل الكفر والفجور عذاب -عياذًا بالله تعالى؛ فطوبى للعبد المؤمن الذي يتفاعل مع آيات الله الكونية تفاعلاً إيمانيًّا، طمعًا في رحمته ورضوانه، وخوفـًا مِن عذابه.

فاللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، هنيئًا مريئًا.

اللهم ارفع عنا الجهد والعري، واكشف عنا مِن البلاء ما لا يكشفه غيرك.

اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفّارًا؛ فأرسِل السماء علينا مدرارًا.