إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 17 نوفمبر 2016 - 17 صفر 1438هـ

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (1) الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن الأمور المستقرة أن الدنيا لن تستقيم لأحدٍ دون تعب و كدر، بل ولن تدوم على حال واحد، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تُسَمَّى: العَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لاَ تُسْبَقُ؛ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: سُبِقَتِ العَضْبَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلا وَضَعَهُ) (رواه البخاري).

فعلى العاقل أن يفهم ذلك، وأن يتعامل مع الواقع بهذا المفهوم.

وإذا أراد الإنسان أن يغير مِن واقعه الذي يعيشه ويحياه، فلا بد مِن التأني والتريث، والترجيح بيْن المصالح والمفاسد، والنظر إلى مآل الأمور حتى لا يخرج مِن واقع مرير إلى واقع أمَر مِن الأول؛ فأحيانًا يتعرض الإنسان لشيءٍ مِن الظلم وهو يريد أن يدفع الظلم عن نفسه، وأحيانًا أخرى يكون الأمر بصورة جماعية؛ فقد تثور الشعوب على حكامها؛ بسبب الظلم والطغيان والتغاضي عن ألام الناس، أو مِن كثرة الفساد وتنحية شرع الله -تعالى-، أو بسبب كثرة الانتهاكات والممارسات الجائرة مِن قِبَل بعض الأفراد في بعض المؤسسات، أو بسبب حالة اليأس التي تسيطر على الشعوب أحيانًا بسبب انخفاض مستوى المعيشة، وارتفاع نسبة الفقر، وتدهور الحالة الاقتصادية، وغير ذلك مِن الأسباب.

وهنا تكون المطالبة بالتغيير مِن الأمور المشروعة؛ دفعًا للظلم، ونشرًا للعدل، وتحكيمًا للشرع، ومِن أجل الحفاظ على البلاد والعباد مِن الفساد والطغيان، ونحو ذلك؛ بشرط ألا يترتب على التغيير منكر وفساد أشد مِن الأول، ففي مثل هذه الأحوال لا بد مِن دراسة الواقع دراسة متأنية، ودراسة موازين القوى والترجيح بيْن المصالح والمفاسد.

ولما كان التاريخ مرآة الأمم، يعكس ماضيها، ويترجم حاضرها، وتستلهم الأمم مِن خلاله مستقبلها؛ كان مِن الأهمية بمكان الاهتمام بالتاريخ، والحفاظ عليه، ونقله إلى الأجيال نقلاً صحيحًا، بحيث يكون نبراسًا وهاديًا لهم في حاضرهم ومستقبلهم؛ فالشعوب التي لا تاريخ لها لا وجود لها؛ فلن تستطيع الأمم أن تتقدم في حاضرها إلا بالرجوع إلى تاريخها وماضيها، فلا مستقبل لأمة تجهل تاريخها، وليس هناك أعظم مِن التاريخ الإسلامي.

والتاريخ تُعرف به الأحداث والوقائع، وما صاحبها مِن تغيرات ومجريات، والتاريخ فيه استلهام للمستقبل على ضوء السنن الربانية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل، ولا تحابي أحدًا مِن الخلق بحال، والتاريخ فيه شحذ للهمم، وبعث للروح مِن جديدٍ، وتنافس في الخير والصلاح، والبذل والعطاء، والتاريخ فيه عظات وعبر، وآيات ودلائل، قال الله -تعالى-: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الأنعام:11)، والتاريخ يبرز القدوات الصالحة التي دخلت التاريخ مِن أوسع أبوابه، وتركت صفحات بيضاء ناصعة، لا تُنسى على مر الأيام والسنين.

والتاريخ يعين على معرفة حال الأمم والشعوب مِن حيث القوة والضعف، والعلم والجهل، وبمعرفته نقف على الجوانب المشرقة في تاريخنا؛ فنقتفي أثرها، ونقف أيضًا على الجوانب السلبية فيه فنحاول تجنبها والابتعاد عنها.

ومِن أهم ما تفيده دراسة التاريخ: معرفة أخطاء السابقين، والحذر مِن الأخطاء والمحظورات التي تم الوقوع فيها عبْر التاريخ، وأنبِّه على أنه لا يعلم حقائق الأمور إلا الله -تعالى-، فالتاريخ الموثق قليل في عالم الأحداث، فقد يتم أحيانًا تشويه التاريخ وتزييفه مِن بعض أصحاب النفوس الضعيفة، وأصحاب المصالح الشخصية، أو يتم تزييفه بسبب الهوى والتعصب المذموم، أو بسبب النقل دون تثبت.

قال ابن خلدون -رحمه الله-: "وكثيرًا ما وقع للمؤرِّخين والمفسِّرين وأئمة النَّقل مِن المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرَّد النّقل غثًّا أو سمينًا ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سَبَرُوهَا بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النَّظر والبصيرة في الأخبار؛ فضلَّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط" (مقدمة ابن خلدون).

وإذا تأملنا أحوال السابقين رأينا بعض الذين حاولوا أن يغيروا أمورًا رأوها منكرة مِن وجهة نظرهم، تجدهم أحيانًا يندمون على ما فعلوا بعد أن أفسدوا الحياة والواقع!

فعلى سبيل المثال:

- الخروج على ذي النورين الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: إذا نظرنا في أحوال مَن خرجوا على ذي النورين الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، نرى أنه قد خرج عليه المجرمون الرعاع مِن الكوفة والبصرة ومصر، وهم لا يريدون إلا عزله -رضي الله عنه- أو أن يقتلوه!

- وقالوا: لقد جاء عثمان -رضي الله عنه- في ولايته بمظالم ومناكير! منها: "ضربه لعمار حتى فتق أمعاءه - وضربه لابن مسعود حتى كسر أضلاعه، ومنعه عطاءه".

- والرد على هذه التهم الباطلة: أن مسألة ضربه لعمار أو لابن مسعود -رضي الله عنهما- غير ثابتة.

قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "هذا كله باطل سندًا ومتنًا؛ أما قولهم: "جاء عثمان بمظالم ومناكير"؛ فباطل، وأما ضربه لابن مسعود ومنعه عطاءه؛ فزور، وضربه لعمار؛ إفك مثله، ولو فتق أمعاءه ما عاش أبدًا" (العواصم مِن القواصم).

وقال أبو عبد الله محمد بن بكر المالقي -رحمه الله-: "فإن قيل بأن عثمان -رضي الله عنه- ضرب عمارًا! قيل: هذا لا يثبت، ولو ثبت فإن للإمام أن يؤدب بعض رعيته بما يراه" (التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان).

وقال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وهذا مما يفعله ولي الأمر في مثل هذه الأحوال قبْل عثمان وبعده، وكم فعل عمر مثل ذلك بأمثال عمار، ومَن هم خير مِن عمار بما له مِن حق الولاية على المسلمين، ولما نظم السبئيون حركة الإشاعات وصاروا يرسلون الكتب مِن كل مِصر إلى الأمصار الأخرى بالأخبار الكاذبة، فأشار الصحابة على عثمان بأن يبعث رجالاً ممن يثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليه بحقيقة الحال؛ تناسى عثمان ما كان مِن عمار، وأرسله إلى مصر ليكون موضع ثقته في كشف حالها" (العواصم مِن القواصم تحقيق محب الدين الخطيب).

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وأما قوله: "إنه لما حَكَمَ ضرب ابن مسعود حتى مات"؛ فهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإنه لما وليَ أقر ابن مسعود على ما كان عليه مِن الكوفة إلى أن جرى مِن ابن مسعود ما جرى، وما مات ابن مسعود مِن ضرب عثمان أصلاً. وفي الجملة: فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمارًا فهذا لا يقدح في أحدٍ منهم؛ فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة، وأنهم مِن أكابر أولياء الله المتقين، وإن ولي الله قد يصدر عنه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية، فكيف بالتعزير؟! وقد ضرب عمر بن الخطاب أبيَّ بن كعب بالدرة لما رأى الناس يمشون خلفه، وقال: "هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع"؛ فإن كان عثمان أدَّب هؤلاء: فإما أن يكون عثمان مصيبًا في تعزيرهم لاستحقاقهم ذلك، ويكون ذلك الذي عُزروا عليه تابوا منه، وكُفر عنهم بالتعزير وغيره مِن المصائب أو بحسناتهم العظيمة أو بغير ذلك، وإما أن يقال كانوا مظلومين مطلقًا، فالقول في عثمان كالقول فيهم وزيادة؛ فإنه أفضل منهم، وأحق بالمغفرة والرحمة" (منهاج السُّنة).

بل ثبت أنه عندما بُويع عثمانُ -رضي الله عنه- بالخلافة قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "بايعنا خيرَنا ولم نألُ"، وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- واليًا لعثمان -رضي الله عنه- على بيت مال الكوفة، وكان والي الكوفة في ذلك الوقت سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، وقد حدث خلاف بينهما بسبب أن سعدًا -رضي الله عنه- استقرض مالاً مِن بيت المال، ولم يرده في الموعد المحدد، فحدث خلاف بينهما بسبب هذا الأمر، فاشتدا في الكلام واجتمع حولهما الناس فعزل عثمان -رضي الله عنه- سعدًا مِن ولاية الكوفة، وأقر على بيت المال عبد الله بن مسعود، وهذه القصة تدلنا على ورع كلا الصحابيين، وتدل على حاجة سعد إلى المال، وعدم وجود ما يكفيه وأنه لذلك اضطر إلى الاقتراض مِن بيت المال، كما تدل على اجتهاد عبد الله بن مسعود في حفظ أموال المسلمين، وإصراره على استرداد القرض من سعد والي الكوفة وحاكمها.

ولكن الخلاف الذي حدث بين عثمان وابن مسعود -رضي الله عنهما- وقع لما أراد عثمان -رضي الله عنه- جمع الناس على مصحفٍ واحد، واختار -رضي الله عنه- لهذا الأمر زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، وكان أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- قد اختاراه مِن قبْل لجمع القرآن في المرة الأولى؛ وذلك لأن زيدًا -رضي الله عنه- هو الذي حفظ العرضة الأخيرة للقرآن مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان ابن مسعود يود لو أن كتابة المصحف نيطت به، وكان يود أيضًا لو يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى، فجاء عمل عثمان على خلاف ما كان يوده ابن مسعود في الحالتين، والقضية أنه كان لعبد الله بن مسعود مصحف يختلف في ترتيب السور عن مصحف زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، ولهجة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- مِن هزيل، وليست مِن قريش.

وقد كان الأمر أن تكون كتابة المصحف على الاتفاق، وعند الاختلاف يُرجع إلى لهجة قريش؛ لأن القرآن نزل بلسانها، فلما علم عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن القرآن سيُجمع على قراءة زيد بن ثابت، وأن مصحفه سوف يحرق غضب غضبًا شديدًا وأراد أن يحتفظ بمصحفه، واجتمع كبار الصحابة مع عبد الله بن مسعود، وتحدثوا معه وحدثوه بأن هذا الأمر فيه الخير للمسلمين، فلما علم ذلك رجع عن رأيه.

وقد عقد ابن أبي داود -وهو أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني المتوفَّى 316هـ رحمه الله- في "كتاب المصاحف" بابًا بعنوان: "باب رضاء عبد الله بن مسعود بعد ذلك بجمع عثمان رضي الله عنه المصاحف"، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد، ومحمد بن عثمان العجلي، قالا: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني زهير، قال: حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري، عن فلفلة الجعفي قال: فزعتُ فيمن فزِع إلى عبدِ اللهِ يعني ابنَ مسعودٍ في المصاحفِ فدخلْنا عليه فقال رجلٌ من القومِ: إنا لم نأتِك زائرين، ولكنا جِئْنا حين راعَنا هذا الخبرُ قال: "إنَّ القرآنَ أُنزل على نبيِّكم مِن سبعةِ أبوابٍ على سبعةِ أحرُفٍ، وإنَّ الكتابَ الأوَّلَ كان ينزلُ مِن بابٍ واحدٍ على حرفٍ واحدٍ" (أخرجه الطحاوي وأحمد، وقال الألباني: إسناده جيد).

وجاء في كتاب غاية النهاية في طبقات القراء للإمام ابن الجزري: "وكان الأعمش يجود حرف ابن مسعود، وكان ابن أبي ليلى يجود حرف علي، وكان أبو إسحاق يقرأ مِن هذا الحرف، ومِن هذا الحرف، وكان حمران يقرأ قراءة ابن مسعود ولا يخالف مصحف عثمان، يعتبر حروف معاني عبد الله ولا يخرج مِن موافقة مصحف عثمان، وهذا كان اختيار حمزة".

وقد ذكر الإمام الذهبي في السِّير ما نصه: "إِنَّمَا شَقَّ عَلَى ابْنِ مَسْعُوْدٍ لِكَوْنِ عُثْمَانَ مَا قَدَّمَهُ عَلَى كِتَابَةِ المُصْحَفِ، وَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُوْنَ وَلَدَهُ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ عُثْمَانُ لِغَيْبَتِهِ عَنْهُ بِالكُوْفَةِ؛ وَلأَنَّ زَيْدًا كَانَ يَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَهُوَ إِمَامٌ فِي الرَّسْمِ، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ فَإِمَامٌ فِي الأَدَاءِ، ثُمَّ إِنَّ زَيْداً هُوَ الَّذِي نَدَبَهُ الصِّدِّيْقُ لِكِتَابَةِ المُصْحَفِ وَجَمْعِ القُرْآنِ؛ فَهَلاَّ عَتَبَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ? وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ وَتَابَعَ عُثْمَانَ وَلِلَّهِ الحَمْدُ، وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ أَشْيَاءُ أَظُنُّهَا نُسِخَتْ، وَأَمَّا زَيْدٌ فَكَانَ أَحْدَثَ القَوْمِ بِالعَرْضَةِ الأَخِيْرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَام تُوفِّيَ عَلَى جِبْرِيْلَ".

وقال الحافظ ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: "وهذا مشهور عند كثير مِن القراء والفقهاء، وأن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما مِن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يتواتر عنده، ثم لعله قد رجع إلى قول الجماعة، فإن الصحابة أثبتوها في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق، ولله الحمد والمنة".

وقال في مقدمته أيضًا: "وهذا أيضًا مِن أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شيء وهو جمع الناس على قراءة واحدة؛ لئلا يختلفوا في القرآن، ووافقه على ذلك جميع الصحابة، وإنما روي عن عبد الله بن مسعود شيء مِن التغضب بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف، وأمر أصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرقه ما عدا المصحف الإمام، ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق".

ومِن المعلوم أن ابن مسعود وافق عثمان وتابعه فيما دون ذلك عندما أتم الصلاة خلفه، وعلل ذلك: أن الخلاف شر؛ فما بالك في الاختلاف في القرآن؟! فإنه سيكون أكثر ضررًا، وأعظم خطرًا، وأشد فتكًا بجماعة المسلمين.

وفي النهاية: فإن عثمان -رضي الله عنه- على حق في هذا، وهو يعلم -كما يعلم سائر الصحابة- مكانة ابن مسعود -رضي الله عنه- وعلمه، وصدق إيمانه، ثم إن عثمان كان على حق أيضًا في حرق المصاحف الأخرى كلها "ومنها: مصحف ابن مسعود"؛ لأن توحيد كتابة المصحف هو مِن أعظم أعمال عثمان بإجماع الصحابة، وكان جمهور الصحابة في كل ذلك مع عثمان على ابن مسعود، وعلى كل حال فإن عثمان لم يضرب ابن مسعود ولم يمنعه عطاءه، وبقي يَعرف له قدره كما بقي ابن مسعود على طاعته لإمامه الذي بايع له، وهو يعتقد أنه خير المسلمين وقت البيعة.

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.