إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 01 نوفمبر 2016 - 1 صفر 1438هـ

رسالة إلى ورثة الأنبياء

كتبه/ جابر عبد الوهاب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:97-99).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي وإنا نعلم يا محمد أنك يحصل لكَ مِن أذاهم لك انقباض وضيق صدر، فلا يهيدنك ذلك -أي لا تبالي ولا تكترث-، ولا يثنيك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل عليه؛ فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة" (تفسير ابن كثير).

- إنها رسالة ربانية وتوجيه قرآني للرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- ولمَن حوله، وللأجيال المتعاقبة مِن بعده ما بقي كتاب الله -تعالى- بين أظهرهم.

- إنها رسالة لورثة الأنبياء مِن الأئمة والعلماء والدعاة وطلبة العلم العاملين به الداعين إليه، وكذلك هي موعظة وذكرى وتسلية لكل مظلوم مقهور تُقول عليه أو افتري عليه الكذب والزور والبهتان.

فإذا كان سيد ولد آدم وخير خلق الله -تعالى- وقع له ضيق في الصدر، وحزن في النفس، وانقباض في القلب؛ فلأن يقع لغيره ممن هم دونه مِن العلماء والدعاة وغيرهم مِن باب أولى.

فما أشبه الليلة بالبارحة!

ففي الوقت الذي قيل فيه للصادق المصدوق الناطق بالوحي -صلوات الله وسلامه عليه-: "ساحر - مجنون - كاهن - شاعر - ... "، والله -تعالى ذكر- هذا في كتابه العظيم لينظر ورثة الأنبياء ما فُعل بنبيهم -صلى الله عليه وسلم- فيصبرون تارة، ويتصبرون أخرى على أذى الناس لهم.

- وفي عصرنا هذا يقع البعض في أنواع مِن الشرك، فيقوم الدعاة والعلماء بنهيهم عن عبادة غير الله، وعن الدعاء والاستعانة والاستغاثة والذبح والنذر لغير الله، والطواف بغير بيته؛ فيجيب البعض مِن أصحاب الحجج الداحضة الفارغة فيقولون: "هؤلاء متشددون - وإرهابيون - وتكفيريون - ... !".

وإذا طالَب ورثة الأنبياء بتحكيم شرع الله والعمل بكتاب الله وسُنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فلا تسمع إلا ما تضيق به الصدور: "رجعيون - أصوليون - متخلفون - ... !" فضلاً عن غير ذلك.

وإذا أَمروا الناس بالمعروف ونهوهم عن المنكر بالمعروف مِن وعظ النساء مثلاً أن يتحشمن بالزي الشرعي والعفاف والحياء: قالوا: "متعصبون - متزمتون - معادون للمدنية والحضارة والتقدم - ... !" وكذبوا!

وهل الحضارة والمدنية والتقدم والرقي في التعري؟!

حتى في الفتن عندما يحافِظ أهل العلم والدعاة الربانيون على دماء الناس وأعراضهم وأموالهم، وعندما يسوسون الناس بالسياسة الشرعية التي قطعًا توافق الكتاب والسُّنة وعمل السلف في وقت الفتن والمحن، وشعارهم في ذلك قول نبيهم -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ) (رواه مسلم)، ما دام في الأمر سعة، وعدم مخالفة للشرع الكامل الحنيف.

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا                        مضر كوضع السيف في موضع الندى

أما مصالحهم الشخصية وادعاء البطولة والعنترية، والحماس العاري تمامًا عن الحكمة فقد تركوه وراءهم ظهريًّا واضعين نصب أعينهم قول نبيهم -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) (متفق عليه).

فهنا يظهر المزايدون؛ فبدلاً مِن أن يقابِلوا مَن يحافظ عليهم بالورود والرياحين إذا بك تفاجأ بسيل مِن السباب والشتائم، واتهام المصلحين بالعمالة والخيانة، والجبن، والاستهزاء والسخرية حتى وصل الأمر بمن تحطمت أخلاقهم أنهم ألبسوا الرجل الذي أفنى عمره وزهرة شبابه حتى اشتعل الرأس منه شيبًا وهو يدعو إلى التوحيد الخالص والعقيدة الصحيحة الصافية - ألبسوه زي كبير القساوسة ووضعوا على صدره الصليب!

فأي أخلاق هذه؟! بل أي دين هذا الذي يدع صاحبه يقوم بذلك ويقره البعض الآخر عليه؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!

وغير ذلك كثير، ومع ذلك تجدهم في منتهى الأدب ولا يقابلون السيئة بمثلها ولا حتى أقل منها، بل صابرون محتسبون.

لماذا؟!

مِن أجل الله -تعالى-؛ ولأنهم ورثة الأنبياء، وحماة الشريعة التي تأمرهم بحسن الخُلُق مع الخَلق.

كل هذا وغيره يضايق، ولكن الله -تعالى- وضع لنا الدواء الشافي في نفس الآية: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).

إذا شعرت بضيق أو هم أو حزن أو انقباض في صدرك مِن تَقول الناس وأفعالهم السيئة؛ فليس أمامك إلا أن تلجأ إلى الله -تعالى-، وأن تترك الأرض وتدع قلبك يحلق في السماء بين يدي الله -تعالى- مسبحًا بحمده، قائمًا راكعًا ساجدًا، مخبتًا خاشعًا متعبدًا لله -تعالى-.

فيا ورثة الأنبياء...

ويا أيها الدعاة المصلحون...

ما يُقال لكم قد قيل لرسولكم -صلى الله عليه وسلم-، وأكثر ما قيل لرسولكم قد قيل للرسل مِن قبله: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) (الأنعام:34).

فلا يهدينكم ولا يثنيكم عن إبلاغ رسالة ربكم أحدٌ كائنًا مَن كان، وتوكلوا على الله وانشغلوا بذكره -جلَّ وعلا-.

وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.