إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 28 أكتوبر 2016 - 27 محرم 1438هـ

الأزمة الاقتصادية... ودعوات "11 - 11"

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها بلادُنا مِن أعنف الأزمات في تاريخنا الحديث، وأن نُذُر الاضطرابات الاجتماعية التي قد تتسبب عنها لا يمكن إهمالها، خصوصًا مع حالة الاحتقان الموجودة؛ فلابد مِن اتخاذ إجراءاتٍ لإزالتها.

وقد اتفق الخبراء الاقتصاديون على أن تجاوُز هذه الأزمات دون حصول الاضطرابات المُجتمعية -التي قد تؤدي بالبلاد والمجتمع إلى نفق مظلم- لا بد أن تتحقق فيه أمورٌ ثلاثة:

تحصيل الثقة، وتوحيد المجتمع في مواجهة الأزمة، ورعاية الطبقات الفقيرة التي لا تتحمل المزيد مِن الأعباء.

ونحن نتعرض بشيء مِن التفصيل في واقعنا، في صورة نصيحة صادقة واجبة للقيادة السياسية لكي تَعبُر بالأمة هذه المحنة.

أولاً: تحصيل الثقة:

فلا بد أن يشعر الناس بالثقة في القيادة السياسية، ليس فقط في شخص الرئيس، بل في كل المؤسسات الحاكمة معه؛ فإن طبيعة الناس أن تحمل خطأ الصغير على الكبير، وخطأ المرؤوس على الرئيس، والمؤسسة بأسرها، ولا شك أن التعميم في الغالب يكون ظلمًا؛ إلا أن الكبير عليه مسئولية في خطأ الصغير، فكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متفق عليه)؛ فلا بد أن تحصل الثقة في المؤسسات الحاكمة صاحبة القرار؛ لأنها أول مَن يتحمل الأعباء، ضِعف ما يتحمله غيرُها، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يربط على بطنه حجرين حين كان يربط أصحابه على بطونهم حجرًا حجرًا؛ هذا الذي يجعل المجتمع كله مستعدًا للتضحيات، قادرًا على الصبر، مؤثِرًا على نفسه ولو كان به خصاصة، فإذا أردنا مِن الناس تحقيق الصبر فلا بد مِن الاحتساب عندهم، ولا يتحقق ذلك إلا بالإيمان، ثم بالقدوة الحسنة، وأخشى أن تكون الأمور تسير في الاتجاه العكسي.

ولا بد مِن تحقيق الثقة في الإجراءات القضائية، ابتداءً مِن تحرّيات وضبطيات "الداخلية" و"الأمن" ومَن جرى مجراها، ومرورًا بالنيابة وانتهاءً بالقضاء، وهذه الثقة تتضمن الثقة في المصداقية، والأمانة والشفافية، وغياب المحسوبية والرشوة والانتقائية في تطبيق القانون واستثناء طبقات وأفراد يُعامَلون خارج القانون سلبًا أو إيجابًا، وإذا أردنا فعلاً الخروج مِن أزمتنا الاقتصادية فلا بد أن نعيد الثقة في هذه المؤسسات بخطوات عملية تنفيذية، وليس بتأكيدات إعلامية يلمس الناس خلافها على أرض الواقع، وكذلك تشمل هذه الثقة: الثقة في العدالة الناجزة؛ فالعدل البطيء ظلم سريع.

ولا بد مِن إعادة النظر في التشريعات المبيحة للحبس الاحتياطي غير محدد المدة، فإنه يَسمح بظلم أبرياء لن نستطيع إصلاح كسرِهم تجاه الدولة والمجتمع، وهي طبقة ستظل تمثل عُودَ ثقاب يُشعل البرميل المحتقِن في أي لحظة ويفجِّره.

ولا بد مِن تحقيق الثقة في الإعلام الرسمي والخاص على السواء، في صِدقِه وسلوكه وأدبه وتحرّيه مصلحة البلاد، وإنصافه، والبعد عن الإسفاف والتفاهة، وتصفية الحسابات الشخصية، وسوء الخلق والتدهور بأخلاق المجتمع، وإذا فقد الناس الثقة في وسائل الإعلام وأعرضوا عنها فإن ذلك سوف يَفتح الباب لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي -التي تتضاعف مخاطرها- والتي يسيطر على كثير منها جهات لا تريد مصلحة البلاد والمجتمع، ولا تعبأ بتدميره وتخريبه، وتمثل عُودَ ثقاب ثانٍ يعرض المجتمع للانفجار.

ولا بد مِن تحقيق الثقة في المؤسسة التشريعية، وأنها تعمل باستقلالية عن السلطة التنفيذية تشريعًا ومراقبًة؛ فهذه وظيفتها التي أقسم أفرادُها اليمين على أدائها، وفقدان الثقة فيها يهدد العملية السياسية كلها بانسدادٍ تامٍ لن تُجدي معه قرارات اقتصادية -ولو كانت صائبة- إذا كان مَن يقرِّرها ومَن ينفِّذها ويطبِّقها فَقَدَ ثقة الناس أو -على الأقل- ضعفت ثقتهم فيهم، فإن الأزمة أخطر مِن أن يتحملوا التضحيات إلا بثقة كبيرة جدًا في شفافية ومصلحية وجدوى القرارات والمشاريع الاقتصادية التي يجب أن تكون في منتهى الوضوح، وأن يشارِك الناس في التشاور حولها -شورى حقيقية لا شكلية-.

ولا بد مِن تحقيق الثقة في رغبة المؤسسات كلها وجِدِّيتها في محاربة الفساد ومعاقبة أصحابه، وعدم السماح باستمرارهم، فضلاً عن تضخُّمِهم؛ فإن انتشار الفساد الفكري والعملي والسلوكي مِن أعظم أسباب فقدان الثقة، وسبق أن ذكرنا أن طبيعة الشعوب أنها تُحمّل المؤسسات كلها أخطاء وفساد أفرادِها إذا شعرت بالتواني في محاربة الفساد، في حين أن الجِدِّية في ذلك تعيد الثقة أضعافًا مضاعفة.

ومِن أعظم الأمثلة في تاريخنا: قصة عمر -رضي الله عنه- في القصاص مِن ابن عمرو بن العاص -أميرِ مصر في زمنه- المشهورة بــ"اضرب ابن الأكرمين".

ومِن أعظم أسباب تحقيق الثقة: تحقيق العدالة الاجتماعية، خاصة في توزيع أعباء القرارات الاقتصادية في صالح الطبقات الفقيرة، وليس عليها، وذلك بأمور محسوسة للجميع.

وكذلك مِن أهم أسباب تحقيق الثقة -بل أهمها-: احترام الدولة بكل أجهزتها لكرامة الإنسان وحقوقه، خصوصًا في إجراءات القبض على المتهمين وأثناء الاستجواب، وأهم ذلك في أماكن الاحتجاز والسجون بجميع أنواعها، وضرورة إزالة المظالم، وتوسيع دائرة العفو الرئاسي؛ فالخطأ في العفو عن ألف جانٍ خير ألف مرةٍ مِن ظلم بريء، وضرورة التعامل بكل حزم مع قضايا التعذيب والاختفاء القسري، والمبادرة إلى عقوبة مَن تثبت إدانته مع الإعلان عن ذلك، ويجب الحذر مِن توسيع دائرة الاشتباه؛ فإنها مِن أعظم أسباب انتشار المظالم.

أما الأمر الثاني: وهو توحيد المجتمع في مواجهة الأزمة:

فمثاله الرائع: توحّد المجتمع المصري في "حرب أكتوبر"، وارتفاع روح التضحية، وتحمّل أعظم الأعباء؛ لأنه كان يدًا واحدة في قضية مصيرية صارت هي قضية الأمة بأسرها.

وإذا أردنا توحيد المجتمع فلا بد مِن عودة روح التعايش -لا التقاتل-، وروح الاجتماع -لا الإقصاء لطائفةٍ أو أفراد-.

ولا بد مِن وجود الحوار الصادق الناصح بيْن الفئات المختلفة، دون سبٍّ وطعنٍ وتخوينٍ وتشويهٍ لصورة المخالِف، وإذا كان الله قد شرع لنا الحوار بالتي هي أحسن مع غير المسلمين، فقال: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (العنكبوت:46)، فكيف بغيرهم؟!

ولا بد مِن الاشتراك الحقيقي والتشاور الحقيقي قبْل اتخاذ القرارات؛ فهو يوحِّد المُوافق ‏والمعارِض، وأما الانفراد واستعمال أهل الولاء والثقة -مشاوَرةً وتنفيذًا وتوجيهًا- دون أهل الأمانة وأهل الكفاءة -ليس إلا لأجل عدم تطابق الآراء والتوجّهات- ‏فسوف يزيد المجتمع انقسامًا؛ فلا يلزم أن نتطابق، بل ولا أن نتوافق، وليكفي أن نتعايش، ونتشارك ونتشاور، ولو بنسبة يحتملها الناس؛ فإذا ‏شعروا بالجسد الواحد تحملوا ما لا يخطر على البال.

أما الأمر الثالث: وهو رعاية الطبقات الفقيرة:

فهو أمر عظيم الأهمية؛ لأن مِن هم ‏ "تحت خط الفقر" لا يمكن أن تستمر حياتهم على حافة الآدمية إذا تُركوا تحت وطأة الغلاء دون رعاية مِن الدولة ومِن المجتمع ممثلاً في منظماته وجمعياته ذات الطابع الخدمي، وليست ذات الطابع الفكري المستورد -الخارج عن ثوابت المجتمع- والتي تنفذ أجندات ‏أجنبية وبتمويل أجنبي، ولها اهتماماتها الخاصة المستوردة أيضًا، ولا شأن لها بتخفيف الأعباء عن الطبقات المطحونة إلا بالقدر الذي ‏يحقق لها أهدافها الأجنبية الفكرية، وهذه المنظمات هي عُودُ ثقاب ثالث قد يُفجِّر الموقف في اللحظة الخطيرة المناسبة له؛ لتحقيق ‏الفوضى الخلّاقة.

ولا بد أن نفتح الأبواب -تحت الرقابة الواعية غير المتعنتة- للتكافل الحقيقي والرعاية الحانية لجمعيات وأفراد المجتمع المصري الأصيل الذين لم يزالوا يقدِّمون الخير لأبناء وطنهم.

كلُّ هذه المقدمة أسوقها بيْن يدي التعليق على ‏دعوات "11/11" التي لا يُدرى على وجه الوضوح مَن وراءَها؟!

والتي يسميها البعض "ثورة" أو "ثورة الغلابة" أو "ثورة الجياع"، والتي لا يشك عاقل ‏يريد مصلحة البلاد والمجتمع أنه -رغم وجود الفساد والظلم وضعف الثقة- في أن دفع الناس إلى الخروج بسبب الأزمة الاقتصادية، هو مما يزيد عبء الأزمة ويمنع أي بارقة أمل في الخروج منها -بل هو الخطر العظيم في حالة تحولها إلى تيار شعبي فعلاً- هو ‏في مضاعفة الانقسام المجتمعي، فالانقسام حاصل فعلاً حتى بيْن أبناء كل تيار؛ فالحركة الإسلامية منقسمة، ومؤسسات الدولة مختلفة، والتيار ‏الليبرالي منقسم، والتعايش بيْن طبقات المجتمع وأفراده في خطر عظيم.

ففي ظل هذا؛ كيف يتفق الثائرون لو نجحوا -وهو أمر مستبعد- ‏على قيادة للبلاد؟! وهل يمكن أن يتحقق ذلك النجاح إلا على شلالات مِن الدماء، وألوان مِن الخراب والدمار والفوضى المحققة؟!

ورغم كل ما ‏ذكرنا عالِيَه مِن نصائح نخشى أن الأمورَ تسير في عكسِها؛ إلا أن البديل المُر -في كسر مؤسسات الدولة وانهيارها- أعظم شرًّا عند كل ‏العقلاء مما هو حاصل -أو متوَقَّع- مع بقاء المؤسسات، خاصة العمود الفقري "أعني المؤسسة العسكرية".

فلا بد مِن الموازنة بيْن المصالح والمفاسد "في الدين والنفوس والأعراض والأموال" والفتن لا تجلب إلا الشرور ومزيد الفساد وسفك ‏الدماء.

فلا يُمكِنُنا أن نقبل هذه الدعوات، ولا أن نتفاعل معها، حتى ولو طالب البعض بحق التعبير السلمي عن الرأي ‏-ولو بالمظاهرات السلمية التي نص عليها الدستور-؛ فإن هذا لا بد أن يُنظر فيه إلى الواقع لا إلى المطلق، وإلى النهايات والمآلات لا إلى البدايات فقط.

فإذا علمنا خطر الفوضى في ضوء ‏الانقسام والتربص، واستحالة الاحتجاجات السلمية؛ فلا يمكن لنا إلا أن نرفض هذه الدعوات نصحًا للأمة والمجتمع والدولة.

والله المستعان.‏