إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 19 أكتوبر 2016 - 18 محرم 1438هـ

أسباب تواجدنا في المشهد في السياسي

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الذي يطالِب أو يحدِّث نفسه أو غيره بعدم الجدوى في المشاركة السياسية أظن أن سبب ذلك أن سقف طموحاته عالٍ جدًّا، وبالتالي لما كان هذا السقف غير متحقق "سواء مِن بداية العملية الانتخابية وما تعرض له "حزب النور" مِن تجاوزات أثرت بلا شك على نتيجة الانتخابات"، وكان من الواضح جدًا أن شكل البرلمان كان معدًا بطريقة معينة يصل إليها - حصل هذا النوع مِن الإحباط.

في حين أن التواجد في المشهد السياسي إنما هو لأجل ثلاثة أغراض:

الأول: التغيير نحو الأصلح، وهو: "الإصلاح الحقيقي": وهذا يشمل دائرة هوية الأمة، وعدم التنازل عنها والتأكيد عليها، ودائرة أخرى، وهي: قضية حياة الناس والتشريعات التي تخصهم؛ فلا بد أن تكون موافقة للشرع ومحققة لمصالحهم الدينية والدنيوية، ودائرة ثالثة، وهي قضاء مصالحهم العاجلة أو الإقليمية في أماكن محددة.

وقضية الإصلاح أو التغيير الذي ننشده بالمشاركة السياسية هناك بالتأكيد قدر منه قد تحقق -بفضل الله- بهذه المشاركة، والجهد الذي بُذل أثناء كتابة الدستور كان واضحًا، وبالنسبة لكثير مِن التشريعات فلا أستطيع الزعم بحصول تغيير حقيقي فيها، وبالنسبة لقضاء بعض مصالح الناس؛ فبالتأكيد هذا له حصول بدرجة أو بأخرى؛ فهذا هو الغرض الأول الذي نعمل مِن خلاله.

والغرض الثاني مِن الوجود في المشهد السياسي هو: "التأثير": فإن العمل الإسلامي ككل حصل له عبْر عدة عقود مِن الزمان نوع مِن التهميش الشديد جدًّا، والإقصاء المقصود، وذلك لسنواتٍ طويلة، بل لعقود -كما ذكرنا-؛ أدى ذلك إلى تشويه صورة الإسلاميين عند الناس وعند طبقات المجتمع، كما أدى إلى عدم وجود خبرات وكفاءات في كل المجالات، وهناك مَن يحرص على استمرار "التحوصل"؛ تمهيدًا بلا شك لإلقاء الحوصلة خارج الجسد، وهذا الأمر بلا شك خطير للغاية على الوطن، وخطير على الدعوة، وخطير العمل الإسلامي.

وهذا التأثير يكون بالخلطة بالناس في كل المجالات؛ لنظهر لهم الصورة الصحيحة للعمل الإسلامي، ونحاول أن نزيل به أثر التشويه الذي قامت به بعض الجماعات، وقامت به أكثر وسائل الإعلام، وبعض الإدارات والهيئات في الدولة؛ فهذا مجمل أسباب التشويه، ولن يحدث إزالة لهذا التشويه إلا بالاختلاط بالناس، وتبيين حقيقة أمرنا ومواقفنا، وهذا الأمر أرى أنه عظيم الأهمية، وأنا أظن أن هذا الأمر قد تحقق بنسبة كبيرة؛ لكثرة اختلاط نوابنا وإخواننا في العمل السياسي في الحزب عمومًا مع الأفراد والمؤسسات، وكلما زاد الاختلاط كلما تعدلت الصورة، على الأقل يحدث عند مَن عنده لبس شيء مِن التمييز وتصنيف للاتجاهات الإسلامية، بدلاً مِن أن يكون كله "داعش" أو كله إخوان أو كله يريد أن يقتلنا، وكله "تنظيم قاعدة"، ويقول: كلكم تكفير، كلكم سواء، فيكون بهذا بداية تعديل لهذه التصورات الخاطئة.

فإن كل فرصة للتعامل مع الناس والاختلاط بهم وحسن معاشرتهم ستؤدي إلى تعديل هذه الصورة، وهذا تأثير إيجابي، والناس عندما يعلمون ذلك سيقتنعون بتصورنا عن الإصلاح، وفكرتنا عن شكل المجتمع والدولة، وحقيقة هذه الدعوة، وبالتالي يحدث في المستقبل تغيير -إن شاء الله-، ولو لم يكن إلا ظهور حقيقة الموقف بدلاً مِن تشويه الصورة؛ فهذا أمر جيد وكافٍ في جميع الطبقات التي نتعامل معها، ونكسب احترامها -بإذن الله-.

والغرض الثالث مِن الوجود في المشهد السياسي، هو "قول الحق وإقامة الحجة": وأن نبيِّن موقفنا، فقول الحق هو صورة مِن صور التغيير في الحقيقة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) (رواه مسلم)

ولأن تواجدنا له ثمن فأقل الدرجات في مثل هذا التواجد حتى لا ننسحب، وحتى لا يكون إنسان حاضرًا في مكان به خطأ أو خطيئة دون أن يتكلم - أقل ذلك أن نتكلم بالحق وإقامة الحجة، وبذلك يكون مَن قام بهذا قد أدى ما عليه.

فهذه المشاركة مِن نواب الحزب والمشاركين سياسيًّا بصفة عامة أدت إلى أن نقول قولة الحق، وأن يكون لها تأثير يُسمع، ويعرف الناس جميعًا والعالم أجمع موقفنا مِن القضايا المختلفة والتشريعات المختلفة؛ سواء كان بسبب تعارضها مع الشرع، أو المصلحة، أو عدم تحقيقها للعدالة الاجتماعية وإيثار طبقة على طبقة، أو عدم توزيع الأعباء على كل الطبقات أو غيرها مِن الأسباب الواضح فيها كلامنا، وأظن أن النواب قد قاموا بدور جيد في ذلك، وإذا كان هناك أحد يرى أنه لا توجد هناك أي فائدة فأرجوه أولاً أن يُراجِع الأمور التي حدثت؛ لأنه ربما هو لم يسمع أو لم يقرأ أو لم يرَ؛ فلا بد أن يرى ويقرأ ثم يحكم، وعليه أن يسمع جيدًا ثم يراجع المواقف، ويعطينا نصيحة بناءً على علم، وليس بناءً على عناوين مواقع المخالفين؛ لأن هناك بعض الناس يريد أن يوقع اليأس في نفوس الإسلاميين عمومًا وأبناء العمل الإسلامي مِن المشاركة؛ لأن هذا اليأس سيدفعهم في الاتجاه الآخر، وهذا الاتجاه فيه خطورة عليهم أولاً وعلى مجتمعهم ثانيًا، ويدفعهم إلى التدمير والتخريب، ومثل هذا اليأس خطر جدًّا.

فعلى الجميع أن يدرك أن اليأس عدو للأمم والشعوب، وبالتالي فلا يحق لأحدٍ أن يأخذ مجرد عناوين المخالفين لنا دون تحقق منها؛ سواء كانوا إسلاميين، أو كانوا يدعون وينتسبون، أو غير إسلاميين محاربين للفكرة الإسلامية، أو لا توجد عندهم فكرة؛ فيضعون عناوين معينة، وكثير جدًّا مِن الناس لا يفكرون أن يراجعوها على أرض الواقع ليروا: هل هي صحيحة أم خاطئة؟!

وبعض الناس تؤثر هذه العناوين على قلبه، وبعض الكلمات التي تقال في البرامج الإعلامية للمخالفين لنا يحدث فيها ذلك، ويترتب عليه مثل هذا الموقف؛ فأقول لمن يظن عدم جدوى المشاركة والتواجد في المشهد السياسي: راجع الحقائق قبْل أن تأخذ موقفًا سلبيًّا!

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.