إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 13 أكتوبر 2016 - 12 محرم 1438هـ

عشرة أسباب للثبات على الدين (5) "الصلاة - الدعاء"

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

(9) الصلاة

مِن أعظم أسباب الثبات على دين الله -عز وجل-: "الصلاة".

والصلاة بنوعيها -الفرض والنفل- مما يعين الإنسان على الثبات، وقد قال ربنا -تبارك وتعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:153). وقال الله -تعالى-: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ . الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:45-46).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "قال أبو العالية: إن الصلاة مِن أكبر العون على الثبات في الأمر".

وروى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، صَلَّى" (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني).

وروى ابن جرير -رحمه الله- بسنده أن ابن عباس -رضي الله عنهما- نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام وهو يقول: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (أخرجه الطبري في تفسيره بإسنادٍ حسن)، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول عند إقامة الصلاة: (أَقِمِ الصَّلَاةَ يَا بِلَالُ أَرِحْنَا بِهَا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

- ولمَ لا تكون الصلاة راحة، وهي حصن مِن الوساوس والأمراض الشيطانية والنفسانية؟! قال الله -تعالى-: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا . إِلَّا الْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَلَى? صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج:19-23).

- ولمَ لا تكون سببًا للثبات، وهو الحاجز بيْن العبد وبين المعاصي؟! قال الله -تعالى-: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) (العنكبوت:45).

- لمَ لا تكون سببًا للثبات، وهي الكفارة للخطايا والذنوب؟! قال الله -تعالى-: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (هود:114).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟) قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: (فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا) (متفق عليه).

- ولمَ لا تكون الصلاة مِن أسباب الثبات، وهي سبب النجاة مِن النفاق ومِن النار؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا في جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- ولمَ لا تكون الصلاة مِن أسباب الثبات، وأهل المواظبة عليها في المساجد خصوصًا يصيرون مع الوقت جزءًا مِن المسجد، ويحصل بينهم وبين الملائكة صحبة وملازمة؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلْمَسَاجِدِ أَوْتَادًا، الْمَلَائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ، إِنْ غَابُوا يَفْتَقِدُونَهُمْ، وَإِنْ مُرِضُوا عَادُوهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُمْ) (رواه أحمد والحاكم، وحسنه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (جَلِيسُ الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: أَخٍ مُسْتَفَادٍ، أَوْ كَلِمَةٍ مُحْكَمَةٍ، أَوْ رَحْمَةٍ مُنْتَظَرَةٍ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).

- ولمَ لا تكون الصلاة مِن أسباب الثبات، وهي حافلة بالذكر، والذكر مِن أسباب ثبات القلوب، كما قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28).

- ولمَ لا تكون الصلاة مِن أسباب الثبات، وهي التي تفرِّج الهموم، وتنشِّط النفوس عند الكرب؟! قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) (الحجر:97-98).

- ولمَ لا تكون الصلاة مِن أعظم أسباب الثبات، وهي آخر وصية لأعظم ناصح؟!

عن أنس -رضي الله عنه- قال: "كَانَ آخِرُ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ الصَلَاةَ الصَلَاةَ, اتَّقُوا اللهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُهَا حَتَّى جَعَلَ يُغَرْغِرُ بِهَا فِي صَدْرِهِ وَمَا يُفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ" (رواه أحمد، وصححه الألباني).

فاللهم أعنا على حفظ وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واجعل الصلاة قرة عيوننا، وثبات قلوبنا.

(10) الدعاء

مِن أعظم أسباب الثبات على دين الله -عز وجل-: "الدعاء".

- فإن الدعاء مِن أجلِّ الطاعات، وأعظم القربات التي يحبها الله -عز وجل- مِن عبده؛ لما يتضمن مِن الاعتراف بعظمة البارئ، وقوته، وغناه، وقدرته؛ ولما فيه مِن تذلل العبد وانكساره بيْن يدي خالقه -تبارك وتعالى-.

وقد أمرنا الله بالدعاء، ووعدنا بالإجابة؛ قال الله -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة:186)، وقال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر:60).

لا تـسـألـنّ بــني آدم حــاجـةً           واسأل الذي أبوابه لا تحجبُ

الله يغضب إن تركت سـؤالـه             وبني آدم حين يُسأل يغـضبُ

- والمسلم دائم الاتصال بربه؛ لأنه دائم العبادة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، والمسلم يدعو ربه في كل أحواله "في الرخاء والشدة"؛ بخلاف الكافر، فإنه لا يعرف ربه إلا عند الشدائد، كما قال الله -تعالى-: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت:65)، ومع ذلك ينجيهم الله لعلهم يتوبون ويرجعون؛ فكيف بعبده المؤمن إذا سأله ودعاه، واستغاث به عند شدته؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

- وكيف بعبده المؤمن الذي يعلم أن قلبه بيْن يدي الله، وهو القادر على تثبيته؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وعلى ذلك لا يطلب المؤمن الثبات لقلبه إلا مِن الذي بيده ذلك.

وكان سيد التائبين -صلى الله عليه وسلم- يدعو: (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وكان الصالحون على مر الزمان يدعون ربهم: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران:8).

وانظر إلى أحوال الصالحين مع الدعاء؛ لا سيما عند الشدائد والمحن:

- فهذا نبي الله يونس -عليه السلام- وهو في بطن الحوت في ظلمات ثلاث يعلم أنه لن يخلصه مِن شدته وكربه إلا الله، ولن يكون ذلك إلا باللجوء إليه، والانكسار والتذلل بيْن يديه، فيرفع يديه في بطن الحوت، ويطلق الدعوة الخالدة المتضمنة لكل أنواع السؤال والتذلل والافتقار: (لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء:87).

- وها هو نبي الله نوح -عليه السلام- لما اشتد الكرب، وعظم الخطب يرفع يديه لربه: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ . فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ) (القمر:10-11).

- وها هو نبي الله موسى -عليه السلام-، وقد صار العدو مِن خلفه، والبحر مِن أمامه، حتى ظن مَن معه الهلاك والضياع، فكانت الكلمات المعبِّرة عن قلب تعلق بربه، وأكثر الالتجاء إليه: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء:62).

- وها هو سيد النبيين -صلى الله عليه وسلم- كلما اشتد عليه الكرب وعظم عليه الخطب، لجأ إلى ربه ورفع يديه، وأظهر يديه، وأظهر فقره وانكساره إليه؛ فيرفع الله عنه كربه، ويزيل عنه همه، ويبدل حزنه فرحًا.

- انظر إليه يوم بدر، وقد رفع يديه حتى سقط رداؤه مِن على كتفيه، وانظر إليه يوم خروجه يستسقي وقد رفع يديه في ذل وانكسار، وقد جعل ظهور كفيه إلى السماء، وهو يردد: (اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا) (متفق عليه)، وغير ذلك مِن أحوال الأنبياء والصالحين مع الدعاء، لاسيما عند اشتداد المحن، ونزول البلاء.

- فالدعاء باب الرحمة العظيم الذي فتحه الله لعباده المؤمنين، يلجون عليه في كل وقت، وفي كل حين؛ فبابه مفتوح لا يغلق إلا بالموت أو الساعة.

أيها المسلم: إذا أردت الثبات على الدين؛ فاسأل مَن بيده ذلك، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك.

والحمد لله رب العالمين.