إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 07 أكتوبر 2016 - 6 محرم 1438هـ

الوحدة أو الهلاك

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد مرَّ الصراع الحضاري بين الغرب والإسلام بأطوار متعددة، ومنذ ثلاثة قرون وإلى الآن وهو في طور الظهور الغربي عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا رغم الفشل الغربي الذريع في تقديم نموذج حضاري قادر على هزيمة الحضارة الإسلامية ومنهج الحياة وفق الإسلام في العقيدة والعبادة، والأخلاق والقيم والسلوكيات، ونظام الدولة والمجتمع، بل لا يزال الفرق هائلاً لصالح أهل الإسلام (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة:59)، وما موجة الإباحية والاعتراف بحق الزواج للشواذ إلا إحدى الصور الفجَّة في الهزيمة الحضارية القِيَمِيَّة ومخالفة الفطرة للعناد والاستكبار بالباطل.

ومنذ هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، بل وقبْلها بمدة في مرحلة المرض الشديد الذي مرَّت به، والأمة العربية والإسلامية تعاني مِن كونها صارت كعكة تقسَّم بيْن الفرقاء المنتصرين الذين احتلوا بلادها ونهبوا ثرواتها، وحاولوا طمس هويتها، وكانت معاهدة "سايكس بيكو" هي عنوان هذا التقسيم الذي أفرز دولة إسرائيل، وسمح لها بالتمدد الظالم على حساب العرب والمسلمين، ويبدو أن درجة الانقسام التي تمت في هذه المعاهدة لم تعد كافية لتحقيق أمل اليهود في دولة مِن الفرات إلى النيل مع هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل، وطمس نهائي للهوية الإسلامية للشعوب بعد أن طمست هوية معظم الدول والأنظمة والدساتير، فكان لا بد مِن موجة جديدة مِن التقسيم والسيطرة التي لا تجعل أحدًا في الدويلات والميلشيات المتشاجرة يحلم بالمقاومة أو المحافظة على هوية أو دين أو وطن أو مجتمع.

مِن أجل ذلك كان برنامج "الفوضى الخلاقة" الذي أعلنوا عنه صراحة ويجري تنفيذه على قدم وساق؛ فبدأ -بل كان قبل إعلانه بمدة- بدعم الأنظمة المستبدة الفاشلة التي سامت شعوبها سوء العذاب، حتى صارت الشعوب تغلي بسبب السياسات الفاشلة أمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وبسبب الظلم الهائل الذي لا بد أن يهدم الدول ويقسِّم المجتمعات، وكل ذلك برعاية غربية غير مستنكرة لهذه الأنظمة حتى وصلت الشعوب إلى مرحلة الانفجار الذي يريدون؛ انفجار يمزق ويحرق ويدمر، لا يبني ويُحرِّك نحو الأمام، لا يزيل الظلم، بل يزيده، لا يحقق النجاح، بل يزيد الفشل؛ حتى يقول الناس: أين أيام القذافي، ومبارك، والأسد، وصالح؟! ونجح المخطط بتقسيم العراق وانهيار الدولة في سوريا، وليبيا، واليمن.

ومَن تأمَّل الأحوال؛ تأكَّد أن أعين الأعداء على بلدين محوريين في المنطقة، بل في العالم الإسلامي كله، وهما: "مصر والسعودية"، ومعهما دول الخليج، وأظن أن الكل متفق على أن انهيار أحدهما انهيار للأخرى على إثرها، وإذ لم ينجح برنامج الفوضى الخلاقة في استغلال الربيع العربي وثورة الشعوب المدفوعة إلى الانفجار الهدَّام لا البناء -إلى الآن- في هدم هاتين الدولتين، وتقسيم هذين المجتمعين؛ فهناك بديل جاهز مجرب عبر التاريخ منذ أيام العباسيين والتتار مرورًا بالدولة الصفوية وانتهاءً بأفغانستان والعراق وسوريا واليمن، جاء الاتفاق النووي الغربي الإيراني (5+1) على نفس الطريق، والحقيقة للمتأمل أنه مجرد إعلان عن وضع حقيقي سابق منذ أمد طويل مِن التحالف بين الشيعة والغرب واليهود ضد أهل السنة، حقيقة يقينية وإن خُدِع البعض بمحاولات إخفائها أو القول بأن التذكير بها طائفية بغيضة تهدد وحدة الأمة؛ فكتابنا واحد، ورسولنا واحد، وقبلتنا واحدة، والخلاف أصله سياسي فقط وليس عقديًّا أو منهجيًّا، مع أن الواقع على الأرض صارخ لدرجة يسمعها كل أحد إلا الأصم المغيَّب، ولكن ما أكثر ما تغيب العقول والأسماع والأبصار في زماننا.

إن هذا الاتفاق يعني أن مخططات تقسيم الدول والمجتمعات السُّنِّيَّة التي بقيتْ موحدة بعد موجات التقسيم كمصر والخليج قد وصلتْ لمراحلها النهائية، وتعتمد على التحالف مع الدول التي تتوهم أن مصالح بلادها الحقيقية تختلف عن مصالح مَن حولها، كما تعتمد على تهيئة المجال لانتشار الاتجاهات الفكرية المنحرفة التي رمت مجتمعات المسلمين بأنها مجتمعات جاهلية، ومِن ثَمَّ تتعبد بهدمها وترى دولها كافرة، ومِن ثم تعمل على تدميرها، وانطلاقا من هذه الأفكار المنحرفة يستعمل هؤلاء أبشع وسائل التنكيل بالمخالفين باليد واللسان والقلب، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

وأظن أن الأحداث قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأعداء مِن وراء هذه الأفكار والجماعات، وأن الأسلحة التي بأيديهم هي أسلحة الأعداء تصنيعًا وتسريبًا، ومع هذا فما زال يوجد مَن يتعامى عن هذا كله استجابة لعاطفة عمياء أو اتباعًا للهوى فيُساعد على نمو هؤلاء الغلاة، ويفرح بهم وبعملهم المشين المشوه للإسلام، ويغرون غيرهم مِن الشباب الذي يذهب لهذه التيارات رغم وضوح بدعتها، وظهور دورها في خطة التقسيم.

يا أيها المسلمون... يا أهل السنة... يا أيها الدعاة...

مهما بلغت خلافات أنظمتكم وأشخاصكم ومؤسساتكم ودولكم؛ مصالحكم واحدة، وهي في وحدتكم دولاً ومجتمعات... الفرقة تعني الهلاك والدمار والانتهاء مِن الوجود.

مَن يعمل منكم على مصلحته الشخصية في وظيفته أو قيادته أو رئاسته أو ملكه أو منصبه دون مصلحة أمته؛ هو يهدم مصلحة نفسه بأسرع مما يتصور!

إن الجهل بخطر التحالف الإيراني الغربي وخطر الشيعة القادم لا يُغتفر، ونتائجه لا عذر فيها في المصير، حتى لو تكلمنا كثيرًا في العذر بالجهل مِن الله -تعالى- في الآخرة, لكن النتيجة حتمية...

إن غياب مقاومة الفكر المدعوم مِن الغرب الشيعي في جانب والتكفيري المخرب العنيف في جانب ثانٍ، والعلماني التغريبي في جانب ثالث، مقاومةً حقيقية بعيدًا عن المناصب والإعلام والأموال - هو الخراب القادم؛ اقرأوا التاريخ وادرسوا حقائق هذه المذاهب والأفكار ونتائج انتشارها.

أيها المسلمون: وحدة بلادكم، وحدة مجتمعاتكم، وحدة دولكم... أو الدمار.