إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 06 أكتوبر 2016 - 5 محرم 1438هـ

عشرة أسباب للثبات على الدين (4) "الدعوة إلى الله"

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

(7) الدعوة إلى الله

مِن أسباب الثبات العظيمة على الدين "الدعوة إلى الله"؛ فهي وظيفة الرسل وأتباعهم، قال -تعالى-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108).

- والدعوة إلى الله حصن أنت داخله، ففي حديث يحيى بن زكريا -عليهما السلام- قال: (وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

- والداعي إلى الله حريص على تطبيق ما يدعو إليه، حريص على موافقة قوله لفعله، وفعله لقوله، فدائمًا يضع نصب عينيه قول الله -تعالى-: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44). وقوله -تعالى-: (قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود:88).

- والمسلم إذا كان حريصًا على هداية الناس مِن حوله، فإن الله يجعل ثوابه مِن جنس عمله، فيزيده هدى وثباتًا على الحق، كما قال الله -تعالى-: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن:60).

- والمسلم إذا علم شيئًا مِن دين الله، صار عالمًا به، وبالتالي صار لا يسعه أن يكتم ذلك، وعليه أن يسعى به في الناس، ولو مِن باب إعذار نفسه بين يدي ربه فضلاً عما في ذلك مِن العون على الثبات كما سبق، قال الله -تعالى- في ذلك: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأعراف:164).

- والدعوة إلى الله دليل انتماء، قال الله -تعالى-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108)

- والدعوة إلى الله أشرف وظيفة: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33).

- وليست الدعوة محصورة في العلماء والخطباء، بل هناك الدعوة الفردية، وهي أصل دعوة الأنبياء والمرسلين.

- وليست الدعوة محصورة فيمن حصلوا قدرًا محددًا مِن العلوم الشرعية، بل أنت تستطيع أن تدعو إلى الله بموضوع واحد أنت تعلمه، ألم تسمع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) (رواه البخاري)؟!

- إن الابتعاد عن العمل بالدعوة على أي صورة سببٌ لضعف الإيمان والتراجع "بل والانتكاس عند البعض أحيانًا"؛ وإلا فانظر إلى مَن ينتكس ويتراجع، تراه أول شيء يعمل على إزالته مِن كيانه السمت الظاهر "اللحية - القميص - النقاب"، وهذا راجع إلى هذه المعاني التي تقدمتْ، فالشيطان يعلم أن هذا السمت هو سمت الدعاة إلى الله، فيسعى لتخليصه منه أول ما يسعى.

- ثم يكون الطريق المسلسل، والخطوة التالية، وهي البعد عن المساجد وجماعة المتدينين؛ حتى لا يجد لومًا ولا عتابًا، ويستريح مِن ذلك -كما يظن!-، وهكذا سُلم التراجع العكسي والنزول -نسأل الله الثبات على الحق-.

أيها المسلم... إن الدعوة إلى الله هي حصنك العظيم أمام هجمات شياطين الإنس والجن، وهو طريق حبيبك وشفيعك في الدنيا والآخرة.

نسأل الله الثبات على دينه، والعمل لنصرته.

(8) العمل الجماعي

مِن أعظم أسباب الثبات على الدين: "العمل الجماعي"؛ فإن الجماعة قوة وحصن، قال الله -تعالى-: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) (آل عمران:103)، وقال الله -تعالى-: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة:2)، وإن التفرق ضعف وتمزق، قال الله -تعالى-: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال:46).

- وإن الجماعة عصمة مِن الضلال، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- وإن الجماعة راحة، والفرقة عنت ومشقة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ) (رواه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند، وحسنه الألباني)، وجاء في تفسير قوله -تعالى-: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) (آل عمران:106): تبيض وجوه أهل السُّنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والاختلاف.

- إن النصوص المتقدمة كلها تأمر بلزوم الاجتماع، وتدل على فضل العمل للدين مِن خلال اجتماع وتعاون المسلمين، بل إن الأدلة العقلية تدل على فضل العمل الجماعي، وكيف أنه يعطي قوة وتحصن لاستمرار الأعمال.

- اسمع إلى هذه القصة الشهيرة التي نعلمها جميعًا في فضل الاجتماع لإقامة الخير والبر، وهي قصة الأب الذي كان له جماعة مِن الأولاد، وأراد أن يلقنهم درسًا في فضل الاجتماع، وشر التفرق والاختلاف؛ فجاء بعددٍ مِن العصي على عدد أولاده وأعطى كل واحدٍ منهم عصا، وقال: اكسر هذه العصا، فكسرها. وهكذا كل واحدٍ منهم، ثم جاء بنفس العدد مِن العصي وجمعها في حزمة واحدة، وأعطاها لكل واحد منهم، وطلب منه أن يكسرها فما استطاعوا، فعند ذلك أيقنوا جميعًا أنهم أقوياء إذا اجتمعوا، وضعفاء إذا تفرقوا!

- وهذا أمر مطـَّرد في جميع نواحي الحياة: "جماعة المسجد - إدارة الشركات - قوامة البيوت - ركاب السفينة في البحر"، بل الكفار يتجمعون: "الاتحاد الأوروبي - حلف الناتو - ... !"؛ فلماذا الدين فقط هو الذي يُمنع أهله مِن الاجتماع لنصرته؟!

- ولقد حرص أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمة الكرام على الاجتماع ونبذ الفرقة بكل ما في وسعهم؛ ولو تنازل بعضهم عن حقه لأجل المصلحة العامة، والمحافظة على الاجتماع وعدم التفرق؛ انظر إلى عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- وهو يصلي في السفر أربعًا خلف عثمان -رضي الله عنه-، والناس يعلمون أن مذهب ابن مسعود -رضي الله عنه- القصر في السفر، فلما سألوه، قال: "الخلاف شر"، وفي رواية قال: "إني لأكره الخلاف!". والأمثلة على ذلك في حياتهم وأحوالهم أكثر مِن أن نحصيها في هذا المقام.

- ولمَ لا؟! وهم الذين تربوا على لزوم الجماعة والاجتماع، وقد قال لهم نبيهم -صلى الله عليه وسلم-: (فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ) (رواه أبو داود والنسائي، وحسنه الألباني).

- ولمَ لا؟ وهذا هو منهج النبي في التربية والعمل.  

انظر مِن بداية دعوته إلى نهايتها -صلى الله عليه وسلم-، فإنه بدأ بجماعة مِن المسلمين صغيرة، يربيهم ويرسِّخ فيهم هذه الروح؛ وإلا فليقل لنا المانعون: لماذا ظل النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسر بدعوته ثلاث سنوات؟! والجواب: لأنه لو خرج يدعو المشركين وحده لقتلوه، وانتهى أمر الدعوة في مهدها.

ولذلك انتظر حتى كانت الجماعة التي تتعاون لإقامة الدين، وكلما قويت وكثرت كلما ظهرت، وصار لها القدرة على أن تصبح رقمًا في معادلة القوى المتنازعة.

- انظر إلى نظرة الفرس والروم إلى الدعوة الإسلامية في أول أمرها لما كانت جماعة المسلمين قليلة، وانظر إلى ذلك لما صار للمسلمين دولة وصولة -بفضل الله تعالى- ثم بالاجتماع والتعاون.

- انظر لو مات النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يخلـِّف مِن ورائه جماعة مِن الناس تحمل دعوته وشريعته؟!

وهذا يبين لك فضل الاجتماع والعمل المؤسسي الذي يقوم على التعاون لنصرة الدين مِن خلال أساسين عظيمين هما: صحة المنهج وصفاؤه، ويد قوية تحمله وتسير به؛ فمنهج صحيح بلا تعاون ويد قوية تحمله، يوشك أن يٌقضى عليه مِن القوة الباطلة المتعاونة ضده، وتعاون ويد قوية بدون منهج صحيح، ينزع إلى طلب الدنيا ومتاعها ويُضِل ويُضَل.

وخلاصة القول:

إن المسلم إذا كان بيْن إخوانه ويتعاون على إقامة مظاهر وشعائر دينه فإن ذلك مِن أعظم أسباب ثباته على دينه، وأما إذا انزوى وانفرد، كان ضعيفًا، بل صار عرضة للانتكاس والتراجع -والعياذ بالله-، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ).

فاللهم اجمع كلمة المسلمين على المنهج الصافي، ووحد صفهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم.