إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 04 أكتوبر 2016 - 3 محرم 1438هـ

عشرة أسباب للثبات على الدين (3) "الرفقة الصالحة - تذكر نعيم الجنة وعذاب النار"

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن أعظم أسباب وعوامل الثبات على دين الله -تعالى-: "الرفقة الصالحة".

(5) الرفقة الصالحة

والرفقة الصالحة هم الصالحون مِن المؤمنين والعلماء والدعاة، فالجلوس معهم وإليهم مِن أعظم العون على الثبات.

- لما أراد أشراف قريش أن يستبعد النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤمنين الفقراء الصالحين مِن مجلسه إذا جلسوا إليه، أنزل الله -تعالى-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف:28).

- ولقد أخبرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- أن رفقة الصالحين فلاح ونجاح، وأن صحبة الغافلين والفاسدين، هلاك وفساد، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَ) (متفق عليه).

- وتأمل قصة قاتل المائة نفس مِن بني إسرائيل، يتبين لك هذا واضحًا جليًّا، فإن العالم لما أفتاه بقبول التوبة، قال: (انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ) (رواه مسلم).

- فعليك برفقة الصالحين؛ فإنها ثبات ونجاة، واحذر التأويل في مصاحبة الغافلين والفاسدين، فالسلامة لا يعدلها شيء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني)، والناس يقولون: "الصاحب ساحب"، ويقولون: "مَن عاشر القوم 40 يومًا صار منهم!".

وهذا أمر مشاهد، فانظر إلى كثير مِن المتدينين الذين لا يزالون لهم سمت يخالف سمت التدين والالتزام؛ ستجد أن ذلك بسبب الإكثار مِن مصاحبة الغافلين والفاسدين!

واعلم أنك في ذلك لا تضر نفسك فحسب؛ وإلا فأنتَ صاحب لزوجتك وأولادك ومَن في بيتك، وسيتخلقون بما أنت عليه.

- وأما مصاحبة ومجالسة العلماء والدعاة إلى الله، فهي خير صحبة في الدنيا والآخرة، فهم كحامل المسك، وكالطبيب الشفيق، وكالأم الحنون، والأب الرفيق؛ لن تجد منهم إلا خيرًا، وإن اشتدوا عليك يومًا، فشدتهم لخيرك، فالأم تضرب ولدها، وليس في الدنيا أرحم به منها.

إن مجالسة العلماء والصالحين، تذكرك بالجنة وتزهدك في الدنيا.

إن مجالسة العلماء والصالحين تهون عليك مصائب الدنيا، وشدائدها ومحنها.

انظر إلى ابن القيم -رحمه الله- وهو يحكي عن دور شيخ الإسلام -رحمه الله- في تثبيت أصحابه، قال: "وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله؛ فينقلب انشراحًا وقوة، ويقينًا وطمأنينة، فسبحان مَن أشهد عباده جنته قبْل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم مِن روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم بطلبها والمسابقة عليها" (الوابل الصيب مِن الكلم الطيب ص 82).

جمعنا الله وإياكم على محبته وطاعته، ورزقنا فسيح جناته.

(6) تذكر نعيم الجنة وعذاب النار

إن مِن أعظم أسباب الثبات على دين الله -عز وجل-، تذكر الجنة ونعيمها، وتذكر النار وعذابها، وما أعدَّ الله فيهما لأهلهما، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا ثُمَّ حَفَّهَا بالمكارِه ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جبريلُ اذهبْ فانظرْ إِليها فذهبَ فنظرَ إِليها فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ ثُمَّ قَالَ: يَا جبريلُ اذهبْ فانظرْ إِليها فذهبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني).

- تأمل في نعيم الجنة وعذاب الآخرة عندما تقرأ قول الله -تعالى-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185)؛ فإن التأمل في ذلك يهوِّن عليك الصعاب، ويزهدك في الدنيا، وتشتاق نفسك إلى الدار الآخرة، والدرجات العالية.

- لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يثبت أصحابه بتذكيرهم بنعيم الجنة ليثبتوا على الدين، ويتمسكوا به، وكان يمر على بعض أصحابه في مكة وهم يعذبون، فيقول: (صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني). يعني: إن موعدكم هناك في دار الأفراح.

- إن موعدكم أيها المؤمنون الثابتون على دينهم هناك، حيث الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!

- موعدكم الجنة أيها الثابتون، التي قال الله فيها: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) (محمد:15).

إنها الجنة... دار كرامة الرحمن.

 إنها الجنة... سلعة الله الغالية.

فواعجبًا لها... كيف نام طالبها؟!

وكيف لم يسمع بمهرها خاطبها؟!

فـَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَـدْنٍ فَإِنَّهَا             مَنَازِلُكَ الأُولَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ

وَلَكِنَّنَا سَبْيُ الْعَدُوِّ فَهَـلْ تَـرَى             نـَعُـودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنـُسَلَّمُ؟!

إن تذكر الجنة والنار كفيل بأن ينغص عليك الدنيا وما فيها، ويرغبك فيما عند ربك.

إن أهل النار يتمنون الرجوع إلى الدنيا مثلك؛ للعمل والجد والإكثار مِن عبادة الله.

إن أهل النار يندمون ندمًا عظيمًا على ما فرَّطوا في هذه الحياة الدنيا: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ . رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ . قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) (المؤمنون:106-108).

وقال الله -تعالى- عنهم: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ . قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) (غافر:49-50).

فـيـا عـجـبـًا! نـدري بنار وجـنـة                      وليس لـذي نشتاق أو تلك نحذر

إذا لــم يــكــن خـــوف وشـــوق                     فماذا بقي فينا مِن الخير يذكر؟!

فاللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك مِن سخطك والنار.