إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 02 يوليه 2016 - 27 رمضان 1437هـ

مواعظ رمضان... (صيام التطوع والأيام المنهي عنها) (29)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (رواه مسلم)، وعن ثوبان -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

أخي... اعلم رحمني الله وإياك: أنه إذا كان صيام رمضان قد انقضى، فإن الصيام لا يزال مشروعًا في غيره مِن الشهور، ولقد كان استحباب صيام أيام مِن شوال دليل على صدق الصائم في رمضان، فالمؤمن المحب للصيام يحزن لفراق شهر الصيام، لكن السلوى لقلبه والعزاء لحزنه ببقاء صيام التطوع بعد رمضان.

أخي... رغـَّبنا النبي -صلى الله عليه وسلم- في صيام التطوع وبيَّن فضله وأجره لأمته، ولقد شغلت أيام صيام التطوع بقية عام المسلم المنتظِر عودة رمضان مرة أخرى، وقد ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- الأحاديث الكثيرة التي تدل على فضل صيام التطوع: فعن أبي سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) (متفق عليه)، وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ خُتِمَ لَهُ بِصِيَامِ يَوْمٍ دَخَلَ الجَنَّةَ) (أخرجه البزار، وصححه الألباني)، وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بَاعَدَ اللَّهُ مِنْهُ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ) (رواه النسائي، وحسنه الألباني).

أخي... إليك بيان الأيام التي يُستحب صيامها:

1ـ أيام العشر مِن ذي الحجة: لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا: (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَةِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: (وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ) (رواه البخاري وأبو داود والترمذي).  

2ـ صوم يوم عرفة: لحديث أبي قتادة -رضي الله عنه- مرفوعًا: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ) (رواه مسلم).  

3ـ صوم المحرم: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ قَالَ: (شَهْرُ اللَّهِ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني).

4ـ صوم يوم عاشوراء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ) (رواه مسلم)، وقال: (فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ) (رواه مسلم). وفي رواية: (لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ) (رواه مسلم).

5ـ صوم الاثنين والخميس: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

6ـ الصوم لمن شق عليه الزواج وخشي العزبة: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَبَابًا لاَ نَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (متفق عليه).

7ـ صوم أكثر شعبان: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ" (متفق عليه).

8ـ صوم يوم ويوم: لحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا) (متفق عليه).

9- صوم أيام البيض "وهي ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر": لقول أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أَوْصَانِي خَلِيلِي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِثَلاَثٍ: صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ" (متفق عليه). وعن أبي  ذر -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

أخي... -اعلم رحمني الله وإياك-: أن العبادات بعد رمضان غير مقصورة على صيام التطوع فحسب، بل هناك عبادات هي مِن الثوابت التي لا تتغير بعد رمضان: كالصلاة والزكاة والصدقة، وكذا الدعاء لنفسك والمؤمنين، ناهيك عن ثابت التوبة المطلوبة في كل حين، والتي أمرنا الله -تعالى- بها، فقال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:31 ).

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتأولها بقوله: (إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) (رواه أحمد وابن ماجه، وقال الألباني: حسن صحيح).

أخي... إذا عرفتَ هذه الأمور كلها، فما عليك إلا أن تلزم، ولقد ذقتَ طعم العبادة في رمضان، ولذة القرب مِن الله؛ فلا تعكرن هذا الصفو بالكدر!

وإن البقاء على الطاعة والثبات عليها نعمة عظيمة -ثبتنا الله وإياك عليها-، وقد كان سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- يدعو ربه ويقول (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.