إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 29 يونيو 2016 - 24 رمضان 1437هـ

مواعظ رمضان (أعمال القلوب... الورع) (27)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالورع شرعًا هو: ترك ما يريبك، ونفى ما يعيبك، والأخذ بالأوثق، وحمل النفس على الأحوط، وهو كذلك: اجتناب الشبهات، ومراقبة الخطرات.

وعرفه ابن القيم -رحمه الله- بقوله: "ترك ما يُخشى ضرره في الآخرة".

- وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- الورع في كلمة واحدة، فقال: (مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

فهذا يعم الترك لما لا يعنيه مِن الكلام، والنظر والاستماع، والبطش والمشي والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة؛ فهذه الكلمة شافية وافية في الورع.

وقال بعض السلف: كنا ندع سبعين بابًا مِن الحلال مخافة أن نقع في الحرام!

أخي... الورع منزلة عظيمة تجنِّب المسلم الوقوع في محارم الله والاجتراء على حدوده.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ) (متفق عليه).

واعلم أخي -رحمني الله وإياك- أن الورع يكون على مراتب وأحوال:

الأولى: الكف عن المحرمات، وهذا واجب على الناس كافة.

الثانية: الامتناع عن الشبهات، وهذا مستحب، ولا يفعله إلا عدد قليل مِن الناس.

الثالثة: الكف عن كثير مِن المباحات، والاقتصار على أقل الضرورات، وذلك للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

واعلم -رحمني الله وإياك-: أنه لا بد للمتورع مِن العلم؛ وإلا وقع في كثير مِن الأخطاء والوساوس فلا يمكن التورع بغير علم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "تمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها؛ وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك مِن المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية، فقد يدع الواجبات ويفعل المحرمات، ويرى ذلك مِن الورع!".

مِن صور الورع:

ورع النبي -صلى الله عليه وسلم-:

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتورع عن التمرة يجدها في بيته: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلْقِيهَا) (متفق عليه).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (كِخْ كِخْ) لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ: (أما شَعرت أَنا لا نَأْكُل الصَّدَقَة؟) (متفق عليه).

- ورع الصديق -رضي الله عنه-: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ لأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلاَمُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ!" (رواه البخاري).

- ورع الفاروق -رضي الله عنه-: عن نافع قال: "فَرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- لِلْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَرْبَعَةَ آلافٍ, وَفَرَضَ لابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- ثَلاثَةَ آلافٍ وَخَمْسَ مِائَةٍ, فَقِيلَ لَهُ: هُوَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَلِمَ نَقَصْتَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلافٍ؟! فَقَالَ: إِنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أَبَوَاهُ  يَقُولُ: لَيْسَ هُوَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ" (رواه البخاري).

- ورع عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: عن نافع أن عبد الله -رضي الله عنه- سمع صوت مزمارة راع مِن بعيد، فجعل يعدل براحلته عن الطريق ويمشي بسرعة واضعًا إصبعيه في أذنيه وهو يقول: يا نافع... أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي على حاله واضعًا إصبعيه في أذنيه حتى قلت: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق!

وهكذا الورع أخي في الله... ينتج عن الخوف مِن الله، فالورع ثمرة الخوف، والورع يثمر الزهد، والزهد يثمر الهيبة والوقار.

قال الأوزاعي -رحمه الله-: "كنا نمرح ونضحك، فلما صرنا يقتدي بنا، خشيتُ أن لا يسعنا التبسم!".

والإنسان إذا تورع لن يعدم الحلال، ولا يظن أنه سيضيق على نفسه ضيقًا لا مخرج منه، فإنه يلتمس الورع الشرعي مثلما تقدم تفصيله.

 نسأل الله أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين.