إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 29 يونيو 2016 - 24 رمضان 1437هـ

مواعظ رمضان (أعمال القلوب... الصبر) (26)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

أخي -اعلم رحمني الله وإياك- أن الله أمر عباده بالصبر، فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:200)، وقال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) (الأحقاف:35).

- وبيَّن الله -تعالى- عظيم أجر الصابرين فقال: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10).

- وجعل الصبر عونًا، وأمر بالاستعانة به، فقال: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ) (البقرة:45).

- ووعد الله المؤمنين بالنصر والظفر، وهي كلمته التي سبقت لهم، نالوها بالصبر، فقال -تعالى-: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ) (الأعراف:137).

- وجعل محبته لأهل الصبر فقال: (وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146).

- وجعل الصبر على المصائب مِن عزم الأمور، فقال: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (الشورى:43).

- وكذلك بيَّن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فضل الصبر، وأنه ضياء، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ) (رواه مسلم).

- وبيَّن أن العبد إذا ابتلى بما يكره فصبر كان له الأجر العظيم، فقال: (قَالَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ ثُمَّ صَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجنَّة) يُرِيد عَيْنَيْهِ. (رواه البخاري).

- تعريف الصبر: الصبر هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود، وشق الثياب ونحوها.

أنواع الصبر:

الصبر على أنواع ثلاثة:

1- صبر على طاعة الله: قال -تعالى-: (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) (مريم:65).

2- وصبر عن معصية الله: قال -تعالى-: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (يوسف:33).

3-  وصبر على أقدار الله المؤلمة: قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) (الأنعام:34).

أنواع الناس في الصبر:

الأول: أهل الصبر والتقوى، وهم الذين أنعم الله عليهم مِن أهل السعادة في الدنيا والآخرة، صبروا على طاعته، وصبروا على ترك محارمه.

الثاني: أناس عندهم تقوى بلا صبر، فقد يكون هناك رجل عابد، زاهد قوام، صوام، متصدق، وغير ذلك، لكن إذا نزلت به المصيبة، ينهار ولا يصبر.

الثالث: عندهم نوع مِن الصبر بلا تقوى، مثل بعض الفجار، جلدون يصبرون على ما يصيبهم، ككثير مِن اللصوص وقطاع الطرق، يصبرون على الآلام والمشاق لنيل الحرام، وكذلك طلاب الرئاسة والعلو يصبرون على أنواع مِن الأذى لا يصبر عليها أكثر الناس لنيل ذلك!

مِن قصص الصابرين:

1- صبر نوح -عليه السلام-: قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) (العنكبوت:14)، لقد كان -عليه السلام- كل هذا الزمان يتعرض للأذى والصد، والتكذيب والسخرية، والاتهام بالجنون، وهو يقابل كل ذلك بالصبر!

2- صبر أيوب -عليه السلام-: قال الله -تعالى-: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ . ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ . وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:41- 44).

قال علماء التفسير: كان أيوب رجلاً كثير المال والولد، فسلب منه ذلك جميعه، وابتلي في جسده بأنواع مِن البلاء، لم يبقَ منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه يذكر الله بهما، وهو في ذلك كله صابر محتسب، ولم يزد هذا كله أيوب -عليه السلام- إلا صبرًا واحتسابًا، وحمدًا وشكرًا، حتى إن المثل ليضرب بصبره -عليه السلام-.

3- صبر نبينا محمد -عليه السلام-: اشتد أذى الكفار له، وكثرت تهمتهم له بالكذب والسحر والجنون، ووضعوا له الشوك، وأخرجوه مِن بلده، وقتلوا بعض أصحابه، فصبر -صلى الله عليه وسلم-، وكان يصبِّر أصحابه، ويقول لهم: (صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني).

الأسباب المعينة على الصبر:

أخي... هناك أمور كثيرة تعين على الصبر، ومنها:

1- معرفة طبيعة الدنيا، وما جبلت عليه مِن المشقة والعنت: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد:4)، وقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ) (البقرة:214).

2- الإيمان بأن الدنيا كلها ملك لله، يعطي مَن يشاء ويمنع مَن يشاء؛ لحكم كثيرة يريدها -سبحانه وتعالى-، فعند ذلك يصبر العبد ويسلِّم، ويكون لسان حاله ومقاله: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:156).

3- الثقة بحصول الفرج، مع الثبات على طاعة الله: قال الله -تعالى-: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح:5-6).

4- الاستعانة بالله وطاعته: قالها موسى -عليه السلام- لقومه يصبرهم: (اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:128).

5- الإيمان بالقضاء والقدر: قال -تعالى-: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) (الحديد:22).

أخي... إن منزلة الصبر مِن أعظم منازل الدين، فهو الجواد الذي لا يكبو، والحصن الذي لا يهدم، فهو والنصر أخوان شقيقان، كما قال العدنان -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

فاللهم اكتبنا عندك مِن الصابرين، واجعلنا لنعمك مِن الشاكرين.