إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 26 يونيو 2016 - 21 رمضان 1437هـ

ليلة العُمُر... !

كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن خصائص شهر رمضان الكريم أن الله -تعالى- اختصه بنزول القرآن العظيم فيه في ليلة القدر منه؛ تلكم الليلة المباركة الكثيرة الخيرات كما قال الله -تعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) (الدخان:3)، التي يقدَّر فيها مقادير السَّنة كما قال الله -تعالى-: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) (الدخان:4-5).

قال غير واحدٍ مِن السلف: "في هذه الليلة يفصل مِن اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السَّنة، وما يكون فيها مِن الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها" (تفسير ابن كثير).

- وفي هذه الليلة تتنزل الملائكة وجبريل -عليه السلام- بإذن ربهم مصحوبين بكل أمر قضاه الله -تعالى-، وحكم به مِن في تلك السنة مِن خير وشر، ومِن رزق وأجل، كما قال الله -تعالى-: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) (القدر:4)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَابِعَةٍ أَوْ تَاسِعَةٍ وَعِشْرِينَ، إِنَّ المَلاَئِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الحَصَى) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).

- وهي ليلة سالمة مِن كل شر مِن أولها إلى غروب الشمس إلى طلوع الفجر مِن ليلتها، كما قال الله -تعالى-: (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر:5).

- وهي ليلة تُحسب بالعُمُر؛ لأن العمل الصالح فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، أي ما يقارب ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر، قال الله -تعالى-: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر:3).

قال ابن جرير الطبري -رحمه الله-: "قال بعضهم: معنى ذلك: العمل في ليلة القدر بما يرضي الله خير من العمل في غيرها ألف شهر. عن مجاهد قال: عملها وصيامها وقيامها خير مِن ألف شهر. وقال آخرون: معنى ذلك أن ليلة القدر خير مِن ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. عن قتادة قال: خير مِن ألف شهر ليس فيها ليلة القدر".

ثم رجح ابن جرير هذا القول الثاني.

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "وهو الصواب لا ما عداه، وهو كقوله -صلى الله عليه وسلم-: (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني)، وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة ونية صالحة أنه يُكتب له عمل سنة أجر صيامها وقيامها إلى ذلك مِن المعاني المشابهة لذلك" انتهى من التفسير بتصرف يسير.

ولهذه الفضائل عظـَّم الله -تعالى- مِن شأنها فسماها ليلة القدر، قال العلامة السعدي -رحمه الله-: "وسميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها وفضلها عند الله، ولأنه يُقدر فيها ما يكون في العام مِن الآجال والأرزاق والمقادير القدرية" اهـ.

وسمَّى سورة باسمها "سورة القدر" وذكرت فيها ثلاث مرات؛ لشرفها وعلو قدرها، وأتى بالاستفهام للتفخيم.

وللدلالة على أن شرفها ليس مما تسهل الإحاطة به، قال الله -تعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) ثم استأنف: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) كأنها جواب لسؤال نشأ عن تفخيمها تقديره: وما فضائلها؟ (تفسير القاسمي).

- ولهذه الفضائل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعتكف العشر الأواخر مِن رمضان التماسًا لها، كما ثبت في الصحيحين مِن حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: (مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ).

- وحضَّ أمته على قيامها واغتنام خيرها وفضلها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه)، وقال: (إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

- وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أمته أنها في العشر الأواخر مِن رمضان، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري -وقد تقدم-، وحديث: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) (متفق عليه)، وحديث: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ من رَمَضَان) (رواه البخاري).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ليلة القدر في العشر الأواخر مِن شهر رمضان... وتكون في الوتر منها، لكن الوتر يكون باعتبار الماضي فتطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين، ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى... فعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الأشفاع، وتكون الاثنين والعشرين تاسعة تبقى وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى. وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح. وهكذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم في الشهر. وإن كان الشهر تسعا وعشرين كان التاريخ بالباقي. كالتاريخ الماضي. وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: تحروها في العشر الأواخر، وتكون في السبع الأواخر أكثر، وأكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين كما كان أبي بن كعب يحلف أنها ليلة سبع وعشرين" (مجموع الفتاوى 25/ 283).

- وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ) (رواه البخاري)، يعني عدم تعيينها لكم؛ فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة بخلاف ما إذا علموا عينها، فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر" (التفسير 4/ 534).

- وهذا هو الأحوط والأفضل خروجًا مِن خلاف العلماء في تعيينها أن نجتهد في رمضان، ثم يكون اجتهادنا أشد مِن العشر الأواخر "خاصة ليالي الوتر"، قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ" (رواه مسلم). وقالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ" (متفق عليه).

وعند الإمام أحمد بسندٍ صحيح قالت -رضي الله عنها-: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا بَقِيَ عَشْرٌ مِنْ رَمَضَانَ، شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَاعْتَزَلَ أَهْلَهُ". وشد المئزر كناية عن الجد في العبادة. وأحيا ليله: أي بالسهر في طاعة الله مِن الذكر والقراءة، والصلاة والسجود، ونحو ذلك. وأيقظ أهله: أي أزواجه للصلاة.

وأخرج الطبراني بسندٍ حسن عن علي -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكُلَّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ يُطِيقُ الصَّلَاةَ".

وقال سفيان الثوري -رحمه الله-: "وأحب إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك".

- ويستحب أن يكثر الدعاء خاصة الدعاء بالعفو كما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟ قَالَ: (تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

- ويستحب للقيام السواك والطيب: فعن أنس -رضي الله عنه- قال: كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- إناء يعرض عليه سواكه، فإذا قام من الليل خلا واستنجى واستاك وتوضأ ثم تطلب الطيب في رباع نسائه.

- وكان مِن السلف مَن يتهيأ لليلة التي يُرجى أن تكون ليلة القدر: فعن ثابت وحميد أنهما كانا يغتسلان ويتطيبان، ويلبسان أحسن ثيابهما، ويطيبان مساجدهما في الليلة التي يُرجى أن تكون ليلة القدر.

- وكان لتميم الداري -رضي الله عنه- حلة بألف درهم يلبسها في الليلة التي يُرجى أن تكون ليلة القدر.

- وكان أيوب السختياني -رحمه الله- يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس الطيب.

أخي... ليلة هذه فضلها لا يغلو في طلبها عشر ولا دهر.

حقـًّا! ليلة بالعمر.

بلـَّغني الله وإياكم إياها، وجعلنا مِن أهلها.

آمين. وصلى الله على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.