إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 24 يونيو 2016 - 19 رمضان 1437هـ

مواعظ رمضان... (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (21)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ . سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلا مَحْرُومٌ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

أخي... إن الحديث في الآيات والأحاديث المتقدمة عن "ليلة القدر"؛ تلك الليلة المولودة المشهودة، التي سجلها الوجود كله في فرح وعظة وابتهال، ليلة الاتصال بيْن الأرض والملأ الأعلى، ليلة بدء نزول القرآن على قلب سيد الأنام -صلى الله عليه وسلم-، ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعًا.

قال الزهري -رحمه الله-: "سُميت ليلة القدر؛ لعظمتها وقدرها وشرفها، مِن قولهم: لفلان قدر، أي: شرف ومنزلة".

وقال أبو بكر الوراق -رحمه الله-: "سميت ليلة القدر؛ لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، على لسان ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، وعلى أمة ذات قدر".

أخي... هذه ليلة يربح فيها مَن فهم ودرى، ويصل إلى مراده كل مَن جدَّ وسرى، ويفك فيها العاني وتطلق الأسرى.

أخي... إنها ليلة يهون العمر كله لأجلها: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ).

قال السلف -رحمهم الله-: "العمل فيها خير مِن عمل ألف شهر".

أخي... لقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتهد في العبادة، ويشتد في القيام في الأواخر من رمضان التماسًا لهذه الليلة، وكان يقول لأمته: (إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا -أَوْ نُسِّيتُهَا-؛ فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الوَتْرِ) (متفق عليه).

أخي... إنها ليلة الهدايا والعطايا مِن الكريم الجواد، ومن ذلك: أن مَن قامها مؤمنًا محتسبًا؛ نال المغفرة لما سلف، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه).

ومن ذلك: كثرة الملائكة فيها التي تنزل إلى الأرض، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ السَّابِعَةِ، أَوِ التَّاسِعَةِ وَعِشْرِينَ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَكْثَرُ فِي الأَرْضِ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).

ومِن ذلك: أنها سلام حتى مطلع الفجر لأهل الدنيا من المؤمنين، قال مجاهد: (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ): "سلام أن يحدث فيها داء أو يستطيع شيطان أن يعمل فيها سيئ".

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "في تلك الليلة تصفد مردة الجن، وتغل عفاريت الجن، وتفتح فيها أبواب السماء كلها، ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب".

أخي... ليلة القدر... ليلة يفتح فيها الباب، ويقرب فيها الأحباب، ويسمع فيها الخطاب، ويرد الجواب، ويُعطى للعاملين عظيم الأجر والثواب.

واعلم -رحمني الله وإياك-: أنه مِن عظيم فضله -سبحانه وتعالى- أن أخفى تلك الليلة عن عباده؛ ليجتهدوا في ليالي العشر جميعها.

أخي... هذه الليلة العظيمة القدر، عظـِّمها مِن قِبَلك بعمل ذي قدر، ومِن الأعمال ذات القدر في هذه الليلة، الدعاء: فقد سألت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟ قَالَ: (تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

وقد كان السلف -رحمهم الله- يخصون ليلة القدر بمزيد اهتمام:

- فهذا ثابت البناني -رحمه الله- يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب، ويطيب المسجد بالنضوح في الليلة التي يُرجى فيها ليلة القدر.

- وهذا تميم الداري -رضي الله عنه-، كان له حلة اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليلة التي تُرجى فيها ليلة القدر.

فعليك أخي... أن تتحرى هذه الليلة؛ فهي فرصة عظيمة، فلعلك تُعطى خيرها، فتسعد سعادة لا شقاوة -بإذن الله- بعدها، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ)، وقال: (مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلا مَحْرُومٌ)؛ فيفهم مِن ذلك: أن مَن أُعطي خيرها؛ فقد أعطى الخير كله.

فاللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عنا، وارزقنا حسن العمل في هذه الليالي الشريفة.